الصفحة الرئيسية زاوية القراء عربية وأحب العرب

عربية وأحب العرب

بواسطة -
82 75

مرسلة من صديقة الموقع koky.adel

ربما أكون ساذجةا، أو حالمةا رومانسيةتنتمى إلى فصيلة منقرضة، ولكنى فعلا أحب العرب، بعيوبهم ومزاياهم، بغلظتهم ولطفهم، حبا ودودا صافيا يقبل عذرهم ويعفو عن مسيئهم. أحب السودانى بعمامته البيضاء وملابسه البيضاء وقلبه الأبيض. أحب لون بشرته الذى يبرز بياض أسنانه، ولهجته الظريفة المفعمة بالسذاجة والفطرة الحلوة. وأحب الشام بمعناه الواسع الكبير. بلاد الأنبياء والمحبة، واللطف والخصوصية.

وأحب السمار الخليجى بقهوته العربية وفسحة الصحراء، وأحب المغرب خليط الأندلس والمحيط، وتونس بالزان والسنديان والزيتون، والجزائر بعروبتها وبربرها، بطعم أميرها المجاهد: عبدالقادر الجزائرى.

والحكاية أنه قد تصادف مشاهدتى لفيلم بديع لـ«دريد لحام» أثناء حملة الكراهية المتبادلة بين الشعبين المصرى والجزائرى، والتى لا يستحقها كلاهما بالتأكيد. الفيلم اسمه «الآباء الصغار». فيلم يلخص كل المفردات الحلوة فى عالمك، العذوبة، الرومانسية، الرقة والحنية، مذاق الشيكولاتة- وأنت طفل- فى فمك، قبلة النعناع فى خدك، شرائط شعر أختك، ذراعك حين يتأبطه أخوك. كل مشاعرك الجميلة، غير المرتبكة، التى تسير فى اتجاه واحد.

ومن طقوس المشاهدة عندى أننى أطفئ النور وأشعل مصابيح القلب وأندمج.
«ودود عبدالرحمن»، أو دريد لحام، مساعد الشرطة البسيط الذى توفت زوجته للتو. لكنه لا يملك رفاهية الحزن أو ترف الانهيار، أو يتكور فى فراشه عائدًا إلى الوضع الجنينى، أو يخرج إلى الجبل صارخا فى الهوة. بل يجب عليه أن يملك نفسه ويضبط انفعالاته.

مطلوب منه أن يمنح الحنان لأطفاله الأربعة، يواسى حزنهم وهو الحزين، ويأسو جراحهم وهو الجريح، ويمسح دموعهم هو المحتاج لكل مناديل العالم. مطلوب منه أيضًا- وكل حجر فى بنائه ينهار- أن يلتحق بعمل إضافى بعد أن فقد راتب زوجته الذى كان يعينه فى مصاريف البيت، يقيم أودهم، يقيهم العوز ومد اليدين بالسؤال. بيت عربى جدا كما تلاحظون. فى شرقنا التعيس يرتفع كل بناء إلا قامة البشر، وتغلو كل قيمة إلا قيمة الإنسان.

لكن الحياة لا تخلو من البهجة، ومهما طال الليل فثمة صباح. وإن عز الصبر فهناك التصبر، وإن ذهب الجلد فهناك التجلّد. وهناك أيضا «الآباء الصغار»: أربعة أبناء أغلى من كنوز الأرض، أكبر من مجرد امتداد بيولوجى أو انتقال وراثى ناتج عن لحظات حميمة، بل روح الأم الصابرة، الوديعة الطيبة، التى أخفت المرض لأن مصاريف البيت لا تحتمل ترف الذهاب لطبيب.

الأم كما يجب أن تكون، روح ترفرف على الأرض، الأنوثة التى هى المقابل الموضوعى للخصب والنماء والحياة.

ومن هيكلها الترابى- الذى التحق بالأرض- انتقلت روحها العذبة إلى نفوس أبنائها الأربعة، لتبدأ مباراة رائعة فى التفانى وحب الأب واستغلال الفائض من وقتهم فى كسب المال حتى يستطيع أبوهم إكمال دراسته فى كلية الحقوق، فيتحسن حاله ولا يجد نفسه مضطرا للعمل الإضافى.

ولم يكتف دريد لحام بكل هذه النعومة والجمال، فقد اتخذ الفيلم بعدا قوميا حين ظهرت شخصية «أمل»، التى جسدتها «حنان ترك»، الفتاة المصرية المنتدبة من اليونسكو للعمل فى متحف دمشق، وسكنت مع «الآباء الصغار» فى غرفة أخلوها لها لتساعدهم على زيادة دخلهم.

فى البدء كان التفاهم مستعصيا بين اللهجة المصرية والسورية لكن الحب أذاب الجليد. وهكذا، بأمر الحب الذى لا يُرد أمره، بسلطانه الذى يأمر فيُطاع، حدث تبادل مدهش فى الاتجاهين، حنان ترك أتقنت اللهجة السورية ولم تعد تتكلم إلا بها، والعائلة السورية أتقنت اللهجة المصرية ولم تعد تتحدث إلا بها. أو كما لخصت الأمر أغنية الفيلم الختامية: «كلمة هنا، غيرها هناك. وكلمة هناك، غيرها هناك. بس «بحبك» هى هناك، وهى هنا».

كانت المفارقة مدهشة بين فيلم يعلّم الشعوب الحب ومباراة كرة قدم تعلم الشعوب الكراهية. كالفارق بين الحب والمقت، والنور والظلام. ساهم الفيلم – ولو بشق تمرة- فى تذكير العرب بحلمهم العربى المشترك، أمة واحدة، لسان واحد، قلب واحد، مصير واحد، عدو واحد.

وها أنا ذا أساهم بشق تمرة، وأعلن حبى للعرب، وإيمانى بشىء مشترك يجمع بيننا، حتى لو تبادلنا السباب. فهناك اللغة المشتركة التى نتشاتم بها!، وهناك فجر قادم عن قريب، فجر أراه، فطوبى لكل من استعجل قدومه بالصفح والغفران وكلمة «أحبك».

82 تعليق

ماذا تقول أنت؟

الرجاء, التأكد من الأطلاع على قواعد الكتابة في نورت قبل نشر تعليقك.