>

الثابت والمتحول فى اخبار المفكر المتجول

يحمل الباعة المتجولون فى بلادنا بضائعهم من الفواكه والخضار على عربة او حمار ، يجوبون الشوارع والحارات ولا يبح لهم صوت منادين ( اصابيع البوبو ياخيار ، حمره وريانه البندوره ، آخر ايامك يامشمش ) وهكذا ، يشق الباعة المتجولون الاحياء الشعبية من اولها الى آخرها وهم يعلنون بصوتهم الجهورى عن بضاعتهم ، وتتفتح ابواب البيوت والنوافذ لتطل روؤس النساء وتبدأ المساومات لتنتهى بصفقة لا غبن فيها للطرفين ، فالبائع المتجول لا يبحث عن الثراء وانما يبحث عن رزق اطفاله الذين يكونوا بأنتظار عودته بفارغ الصبر .
واذا كسدت بضاعته لسبب من الأسباب فانه يخفض سعر تلك البضاعة بعد الظهر ويسميها ( بيعة مسا ) ، فالمهم ان لا يبقى لديه شىء لليوم التالي .
انقرضت مهنة الباعة المتجولون الذين يبيعون الفواكه والخضار فى بلادنا تقريبا ، وأخلت مكانها لكتاب وشعراء وصحفيين وأساتذة محاضرين ، ولكل من هؤلاء طريقته فى انتاج وتسويق البضاعة ، كانت مهنة الباعة المتجولون تعتمد على الاحياء الفقيرة فى الغالب ، اما باعة الفكر المتجولون فى هذا العصر فانهم يأنفون من التجول فى الحارات او حتى فى بلدان العالم الفقيرة ، انهم يحملون كتبهم وصحفهم ويجوبون بها عواصم الاغنياء والنفط ، هم من رواد الفنادق الفخمة والمطاعم الفخمة كما انهم على استعداد دائم للمهاودة فى السعر حتى قبل حلول المسا ومعظم بضاعتهم بيعة مسا ، اذ تلتقى بنماذج كثيرة منهم فى منطقة الخليج اقل صفاقة وادعاء من نماذج تلتقيها فى اوربا ، فالقادمون الى دول النفط يحملون كتبا سودوا صفحاتها عن عبقرية الشيخ زايد وحكمة الشيخ جابر وعراقة اصول السلطان قابوس ، وينزلون ضيوفا ثقلاء غير مرغوب فيهم على وزارات الاعلام الى حين يتفضل صاحب السمو طويل العمر بشراء كمية من الكتب وبسعر تشجيعي يغطى التكاليف وبعضا من الربح ليس بالقليل .
وهؤلاء لا يعترفون ان ماكتبوه ونشروه هو نفاق وتزلف وأكثرهم اميون يوظفون آخرين للكتابة لقاء ثمن بخس ، هم المقاولون الرئيسيون والكتاب مقاولون من الباطن ، انهم باعة متجولون صادقون مع انفسهم ومع الاخرين ، لايبيعونك موقفا وطنيا ولا التزاما فكريا ، شعارهم المصرح به نريد ان نعيش .
تطورت مهنة الباعة المتجولون فى العقود الاخيرة على ايدى مفكرين واساتذة محاضرين فى جامعات كانت محترمة ، واصبحت الدعارة الفكرية ايدلوجية لها روادها ومنظروها الذين يحاولون اقناعك ان الحرة تأكل بثدييها ولا تجوع .
هذه النماذج الجديدة من سماسرة الأدب والصحافة والشعر ليسوا اميين كأسلافهم من الباعة المتجولون الشرفاء الحقيقيين ، ولا هم يمتلكون الشجاعة ليكونوا صادقين مع انفسهم ، انهم على الاغلب من الذين يضعون قبل اسمائهم حروف الدال ، على انهم من حملة شهادة الدكتوراه ، الحقيقية او المشتراه لا فرق ، وهؤلاء ليسوا مداحين بفجاجة اولئك الذين يسبغون على طويلي العمر صفات العبقرية والحكمة ، انهم يستنزلون الفكر من عليا منازله لتجميل اذناب وعورات كبار اللصوص وقطاع الطرق ، هم يأنفون من التعامل مع لص صغير ، او محتال مبتدىء فى المهنة ، وربما كتب احدهم متطاولا على شاعر كبير او مفكر عظيم على قاعدة خالف تعرف او من تزوج امى فهو عمى .
يحمل احدهم وهو دكتور مثقف التهم مئات الكتب ، يحمل كتبه كتجار الشنطه ويجوس فى شوارع اوربا ملاحقا اثرياء العمولات ومحدثى النعمة وكل قادر على الدفع ، يطردونه من الباب فيدخل من الشباك ، يغلقون الشباك يلاحقهم بالهاتف ، يمتنعون عن الرد فيرسل الفاكسات ، هو كالقضاء والقدر لا راد له ، ويضطرون فى النهاية للشراء والخلاص ويلقون ما يشترونه فى المهملات ويظنون انهم استراحوا لكنه يفاجئهم بعد شهور بكتاب جديد وتبدأ الملاحقات ثم اليأس والدفع .
وعلى غرار هذا الدكتور المفكر المتجول هناك صحفيون متجولون ، هم اميون او من اشباه الاميين احدهم يكتبون له المقال الافتتاحي ليضع اسمه او بصمته عليه .
وأخطر تلك الأنواع هم الباعة المتجولون الذين كانوا الى حد قريب وقبل انهيار الاتحاد السوفياتي يساريين ، هؤلاء يتقنون توظيف الديالكتيك وقانون التناقض والصراع الطبقي والمادية التاريخية لأثبات أن كلينتون اكثر ثورية من غيفارا ، وان الفريق على الشاعر كاتب اهم من الدكتورطه حسين وان اجتماع فصائل المعارضة الليبية او العراقية فى واشنطن هو انجاز تاريخى لارجعة فيه .
وسقى الله ايام الباعة المتجولون فى بلادنا ، كان فى وجوههم بقية من خجل ونزر من الماء والحياء ، وأصبحنا فى زمن تبرير السفاح الفكرى ، على الاقل لم يكن اولئك من حملة شهادات الدكتره .



ماذا تقول أنت؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *