هذا المقال بقلم  عمرو حمزاوي:
من بين مسؤوليات الأصوات والمجموعات المدافعة عن الديمقراطية في مصر تكتسب المواجهة العلنية للصخب المروج للسلطوية الجديدة أهمية نوعية وتلزم بالابتعاد عن التورط في صخب مضاد وبإدارة نقاش موضوعي ومبتكر بشأن سبل المزج بين الانتصار للحقوق وللحريات وبين معالجة هموم الناس الاقتصادية والاجتماعية وتحسين أوضاعهم المعيشية، وبين التأسيس لحكم القانون والدولة العادلة ومجتمع المواطنة والسلم الأهلي والتسامح وبين حماية الأمن القومي وتحقيق الأمن الداخلي.
إلا أن مواجهة صخب السلطوية الجديدة ليس لها أن تتطور إيجابيا وأن تحرز بعض النجاحات المؤثرة ما لم تقتنع قطاعات شعبية متزايدة بتهافت الصخب هذا، وتتحرر تدريجيا من تداعياته السلبية على خطوط إدراكها ومعايير تقييمها للواقع الراهن ونظرتها للمستقبل، وتشرع في البحث عن معلومات موثقة وحقائق مؤكدة وإجابات مغايرة لتلك التي تختزل الدولة في حكم الفرد والمجتمع في محاربة “الأعداء والخونة والمتآمرين” والمواطن في “شر لابد منه” يحتوى حين يقبل الخضوع للحاكم والامتثال لطاعته وإدخال الخوف من القهر والقمع الممكنين دوما أو يعرض بالفعل للقهر وللقمع وللتهجير من المجال العام حال عدم امتثاله وخروجه عن الخط.
ولأن صخب السلطوية الجديدة يصطدم بواقع مصري وإقليمي وعالمي يتجاوز تشابكه وتعقده الترويج الأحادي لحكم الفرد ولضرورات الحرب على الإرهاب والقضاء على المؤامرات والمتآمرين، يصبح المواطن عملا في معية فرص تتوالى لاكتشاف التهافت والاختزال ويستطيع التحرر من التداعيات السلبية ما أن يقرر توظيف عقله بوعي ويجد من قبل أصوات ومجموعات الديمقراطية شيئا من النقاش الموضوعي حول المعلومات والحقائق والإجابات المغايرة لينفتح عليه.
يستطيع المواطن، على سبيل المثال، أن يدرك أن مقولة “على الأقل لسنا كالعراق وسوريا واليمن وليبيا” والتي تستخدم بكثافة في الإعلام العام والخاص المسيطر عليه من قبل منظومة الحكم/السلطة تسكت عن حقيقة أن عوامل الاستبداد وانتهاكات الحقوق والحريات واختزال الدولة الوطنية في الحاكم الفرد وقصر أدوار مؤسساتها على تأمينه وحمايته وحماية عشيرته / قبيلته / طائفته / أتباعه والحفاظ على الامتيازات الممنوحة لهم والبطش بمعارضيهم، هي التي أودت بالدول الثلاث إلى هاوية الفشل وانهيار المؤسسات وفقدانها للشرعية وزجت بالمجتمعات إلى أتون الحروب الأهلية والإرهاب والعنف. وبعد إدراك المسكوت عنه، يمكن للمواطن في خطوة ذهنية تالية أن يربط بين مركزية الحفاظ على الدولة الوطنية والحيلولة دون تفتت مؤسساتها وبين بناء الديمقراطية وحكم القانون ورفع الظلم – بالفعل لكي لا تقترب مصر أبدا من سيناريوهات الفشل والانهيار الكارثية التي تعاني منها العراق وسوريا واليمن وليبيا.
يستطيع المواطن، على سبيل المثال، أن يدرك أن مقولة “لا بديل عن الحرب على التطرف والإرهاب” والتي تستخدم داخليا لتمرير انتهاكات حكم القانون والحقوق والحريات وإقليميا لتبرير الاندفاع وراء الحرب الأمريكية-الخليجية على داعش وانشطارات تنظيم القاعدة الأخرى في بلاد العرب تسكت عن كون الانتهاكات شأنها شأن ظواهر غياب العدل وتراكم المظالم تخلق في مصر بيئة مجتمعية حاضنة للتطرف وللإرهاب، وتصمت أيضا عن حقيقة موضوعية مؤداها أن التدخل العسكري الأجنبي (الأمريكي والأوروبي) والتمويل الخليجي لجماعات مسلحة في العراق وسوريا واليمن وليبيا لم يرتب إلا المزيد من انتشار الإرهاب، وحول الدولة الوطنية إلى أشلاء تسهل السيطرة عليها من قبل طائفيات حاكمة أو يسهل ابتلاعها من قبل تنظيمات كداعش وغيرها.
وبعد إدراك المسكوت عنه، يمكن للمواطن في خطوة ذهنية تالية أن يربط بين القضاء على التطرف والإرهاب وبين التخلص من الانتهاكات في مصر والمظالم في مصر، وبين المواجهة الناجحة للإرهاب ظاهرة إقليمية وبين كبح جماح التدخل العسكري الأجنبي وإنهاء التمويل الخليجي لحمل السلاح وللتطرف.
يستطيع المواطن، على سبيل المثال، أن يدرك أن حملات الهجوم الجماعي للإعلام العام والخاص على منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية في مصر تسكت عن كون هذه الكيانات هي المنوط بها حماية المجتمع من حكم الفرد وصون حقوق المواطن وحرياته في وجه السلطوية الجديدة والتعبير عن تفضيلات ومصالح القطاعات الشعبية المهمشة والضعيفة والمغيب صوتها لأنها لا تملك من الموارد الاقتصادية والمالية ما يمكنها من ذلك أو لأن تخشى القهر والقمع.
وبعد إدراك المسكوت عنه، يمكن للمواطن في خطوة ذهنية تالية أن ينفتح على النقد الموضوعي (والبعض منه هو نقد ذاتي) بشأن المجتمع المدني والأحزاب السياسية وجوانب الضعف والقصور في بناها وأدوارها وأنشطتها وأن يتفاعل مع القليل من المبادرات التي تطور للخروج من أزمة اللافاعلية بالاقتراب اليومي من الناس.
يستطيع المواطن، على سبيل المثال، أن يدرك أن هيستيريا التعريض الإعلامي بهيئات حقوقية عالمية كمرصد حقوق الإنسان (Human Rights Watch) ومنظمة العفو الدولية (Amnesty International) بعد تقارير سلبية بشأن وضعية الحقوق والحريات في مصر وبصحف غربية كصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية (New York Times) بعد افتتاحيتها الناقدة لقضايا الحكم وللأوضاع السياسية والمجتمعية، وكيل الاتهامات الزائفة بالخضوع لنفوذ الحكومة الأمريكية والحكومات الغربية الأخرى بل وبالعمالة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين وللأموال الطائلة التي تغدق على محامين دوليين وصحفيين مرموقين، تسكت عن كون هذه الهيئات والصحف تتمتع باستقلالية تامة إزاء الحكومة الأمريكية وغيرها من الحكومات ولا تعد تقاريرها أو افتتاحياتها أو مقالاتها وفقا لأهواء ومصالح ممولين متوهمين وبمفاضلة مريضة قاعدتها “من يقدر على دفع المبالغ الأعلى” وتقديم الامتيازات الأكثر جاذبية.
وبعد إدراك المسكوت عنه، يمكن للمواطن في خطوة ذهنية تالية أن يفسر هذه الهيستيريا المثيرة للشفقة والاتهامات الزائفة الملحقة بها كانعكاس حقيقي لأوضاع بعض الهيئات وبعض وسائل الإعلام في مصر التي تخرج تقاريرها ومقالاتها وبرامجها بمحتوى معد لها ومملى عليها من أعلى – من السلطة التنفيذية ومؤسساتها وأجهزتها النافذة.

شارك الخبر:

ماذا تقول أنت؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *