الصفحة الرئيسية زاوية القراء بقلم أصدقاء نورت بنت الشيوخ .. من الأدب الهجري

بنت الشيوخ .. من الأدب الهجري

بواسطة -
1 15

الزمان : بالخمسينات الهجرية من القرن الفائت ، والمكان : وسط المزارع بمنطقة الأحساء شرق المملكة العربية السعودية ، وهاهي المزرعة الكبيرة أمامنا ، والتي تدعى أم الخير ، وقد أخذت التسمية من صاحبها الشيخ التاجر السخي الكريم ، إذ أعتاد أن يجلس كل يوم على شرفة مرتفعة بوسط مزرعته ، والتي تطل على باحة خضراء مفتوحة العنان ، وعيناه ترمقان الخير الوفير الذي رزقه الله إياه ، ومن بين الأحراش يظهر أمامه أبناءه الثلاثة ومعهم أختهم الوحيدة المدللة ، وهم يلعبون مع شاكر أبن رئيس الفلاحين بالمزرعة ، وقد أعتاد فقراء ومساكين البلدة على الاصطفاف عصر كل يوم لزيارة الشيخ الكريم ، مع احتساء قهوته الزكية الطازجة بمعية أصحابه ورفاق عمره ، ثم يحصلوا على ماتجود به نفسه الكريمة من أموال وتمور وفواكه ويرحلوا بإبتسامة ورضا .
تعود أبناءه الثلاثة على البذخ والإتكالية والأعتماد على الغير في كل شؤونهم ، وكبروا وترعرعوا على هذا ، وإن اللقمة تصل أفواههم دون مشقة أو تعب ، حتى مضت السنون وكبروا وأصبحوا رجالا ، وكبرت معهم أختهم الحسناء لمياء ، وكبر شاكر أبن المزرعة وصديق طفولتها وشريك مرحها ولعبها بالمزرعة .
يقطن شاكر مع أهله في بيت صغير بأطراف مزرعة أم الخير الكبيرة ، وكذلك يفعل بقية الفلاحين بالجوار، وقد عرف بوسامته وجاذبيته ورجاحة عقله ، وقد تقلد قيادة المزرعة وهو صغير بعد مرض والده ، وأصبحت كل أعمال الشيخ تحت يده ، وكل صغيرة أو كبيرة إلا ويعلم بها ، أما بخصوص الجانب العاطفي ، فقد لاحظ الشيخ اهتمام شاكر بأبنته منذ نعومة أظفارهما . وذات يوم فاجئ شاكر عمه التاجر : ( عمي أريد لمياء زوجة على سنة الله ورسوله ) ، فلم يتفاجئ من طلبه ، بل كان متوقعاً إن هذا سيحدث ، فأخبر أبنته بطلب شاكر ، فبان عليها الموافقة والرضا ، فقال لها والدها (سوف أتدبر الأمر) .. وبعد أيام ، وصل الخبر إلي الأبناء ، فذهبوا إلي المزرعة والشر يتطاير من عيونهم ، ففصلوا شاكر من عمله ، وطردوه وأهله من المزرعة ، وقالوا له : لم يبقى إلا أنت يا حافي ! يا فلاح ! .. كيف تتجرأ وتطلب يد بنات الشيوخ !
علم الشيخ بما حدث ، فأشتط غضباً ، فأرجع شاكر إلي عمله ورد أهله إلى سكناهم ، حتى وصل الخبر للأبناء ، فاشترطوا على عودته أن لا يتزوج أختهم ، فعمل الشيخ خطة لمواجهة شرهم وعنادهم ، وهو يعلم إنهم خائفون على الإرث من بعده ، فعقد كتاب الزواج بين شاكر ولمياء سراً ، ثم جاهر بالموضوع أمام الجميع دون خوف ، فاعتزلوا أبيهم غاضبين ، وتصومعوا ديارهم جاثمين ، في حالة من الانقطاع والعزلة عن المزرعة .. وفي يوم ما ، وفي منزلهم القصر، دخل عدد من الضيوف المجلس الكبير ، ويتقدمهم تاجر عقار معروف ، ومعه كاتب عدل لتسجيل البيع والإفراغ ، فطلبوا من الشيخ إنهاء إجراءات بيع مزرعة أم الخير كما اتفقوا من قبل ، وإن الشيخ قد رهنها مقابل مبلغ من المال وقد حان الدفع ، ولم يوفي بذلك حتى يومه ، ومطلوب منه الآن أن يوقع أتفاقية البيع .
وقع الخبر على الأبناء كالصاعقة ، وكأن السماء قد انطبقت على الأرض ، فاعترضوا على بيع مصدر رزقهم ، فدخلوا أمام الجمع ، وأبدوا انزعاجهم ورفضهم ، فإذا هي رمشه من عين الشيخ للمشتري ، فتكلم عن مهلة ستة أشهر حتى يدفع مبلغ الرهان ، فأمر الشيخ أبنه الكبير أن يحضر صك الرهان من صندوق الحديد بالغرفة الصفراء ، وما أن دخل الابن حتى وجد أخته نائمة بجانب الصندوق وهي شبه عارية ! فأخذه استحيائه القهقرى والعودة للخلف ، والخروج من البيت، فمضت عشرة دقائق ، فأمر الشيخ أبنه الثاني وهو يصرخ : أين ذهب أخوك !! أذهب وأحضر الصك ، ففعل الشيء نفسه، وشاهد أخته على وضعها ، فهرب يلحق أخيه ، وهكذا حدث مع أخيهم الأصغر ، فأمر الشيخ شاكر بتنفيذ المهمة ، فدخل ووجد زوجته شبه عارية ، فقبل رأسها وغطاها بلحاف كان قربها ، وأخذ الصك من الصندوق ثم أسرع مهرولاً نحو عمه الشيخ ، فنادى الشيخ أبناءه بأعلى صوته : يارجال لمياء ! أرأيتم يا أبنائي ، هذا الفلاح يسهر على حلالكم وأنتم نائمون ، ويسعى في رزقكم وأنتم جالسون ، ويستر عورتكم وأنتم منها هاربون .. فماذا أنتم قائلون ؟ فطأطئوا برؤوسهم نحو الأرض، فقال لهم : من يستحق أن يتزوج بنت الشيوخ ؟ فأجابوه : شاكر يا أبتاه . فتمت الزيجة على بركة الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه الكرام : إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، الا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ” ، وقال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم : ” إن يكونوا فقراء يغنهم الله ” .
فوزي صادق / كاتب وروائي : www.holool.info

تعليق واحد

ماذا تقول أنت؟

الرجاء, التأكد من الأطلاع على قواعد الكتابة في نورت قبل نشر تعليقك.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.