الصفحة الرئيسية زاوية القراء بقلم أصدقاء نورت قنطار الذهب…ذهب إلى فلسطين ومنها عاد… ثم إليها عاد ذهب

قنطار الذهب…ذهب إلى فلسطين ومنها عاد… ثم إليها عاد ذهب

بواسطة -
34 1414

بقلم: مريم الحسن

ليس هناك أرقى من السلام على روحك كلاماً نبتدئ به متواضع الكلام.. و ليس هناك أصدق من الصمت سلاماً يُهدى إلى روحك وهي في حضرة الشهادة و رفعة المقام.. فسلام على روحك حين وُلدتَ وحين قاومتَ.. وحين أُسرتَ وحين حُرّرتَ.. وحين استُشهد جسدك على أرض سورية الحبيبة.. و بقيت فيها روحك كالشمس عالية في سماء جولانها.. تُشرق منها على أرض فلسطين السليبة.. كي لا تغيب عنها مقاومتك في يوم.. و لا عن تحرير أراضيها عيون من استلموا عنك الراية تنام.

سلام عليك كسلام الصابرين على ُرسل الصبر.. و سلام عليك كسلام الموقنين بالنصر على أهل الصدق و الفلاح في عصر الأكاذيب و زمن الفُجر.. و سلام عليك كسلام المقاومين.. رجال الله.. أحباب الله.. على رفقاء دربهم الشهداء السابقين.. و على قادة نهجهم حَمَلة ألوية مقاوماتهم الصادقين قولاً و عملاً و فعلا…و على إنسانيي العقيدة و الإنتماء و الفكر.

ما أثقل الكلام على الأقلام حين تتشح الأفكار بسواد صمت الحزن.. و ما أصعب الصمت على الكلمات حين ُيأسر غضبها.. فيكاد صبر حروفها من طول صمت حزنها في الأسر يجن.. أين صبر الصابرين من صبر سمير القنطار.. و أين عشق عشاق فلسطين من عشق عميد الأسرى و الثوّار.. و أين بلاغة المتكلمين إذا ما تحدثت الشهادة عن الشهادة بنفسها.. و إذا ما انساب يقينها من فمها و من عذب صدقها.. و إذا ما نطقت بلغة العزيمة الماضية في خطِّها تضحية و إيثار.. و إذا ما حدّثت بنبرة الثبات و الإصرار و شجاعة الأبطال المُحررين و الأحرار.. و إذا ما أعلن سمير صبر لياليها الثلاثينية في سجون البُغاة و المحتلين.. أنه ما عاد من فلسطين إلا ليعود إلى فلسطين.

قد يتساءل البعض ربما عن سبب هذا الحزن الشديد لفقد المقاوم المجاهد سمير القنطار كأنه أول الشهداء في خطه رغم أن الشهداء كثر من قبله, وقد استشهد معه في نفس اللحظة شهداء آخرون, و قافلة شهداء المقاومة طويلة جداً و عميقة جداً في الزمن، و أن مَن ارتفعوا مثله من على هذه الدرب من شهداء مدنيين مظلومين او من شهداء صامدين و ممانعين كثر, و ربما أعدادهم و أسماؤهم باتت خارج إمكانيات الحصر و العد.. نعم هم كثر و هم أعزاء و هم غوالي, وهم كما قال فيهم سيد الشهداء الشهيد القائد السيد عباس الموسوي “شهداؤنا عظماؤنا” لكن سمير القنطار و من مثله هم كالدر المكنون الذي اذا اكتشف و ظهر وَجب على كل من نذر نفسه للمقاومة و خاصة إذا كان في خط حزب الله أن يحافظ عليه و يفتديه بالروح و يبذل الغالي و النفيس في سبيل الإبقاء عليه حياً ما أمكن و ما استطاع حتى لو أراد هو الشهادة و سعى لها بكل جوارحه لأنه كالنور المتلألئ في ظُلمة نفق ضياع الهوية العربية و كخارطة الطريق لمن ضَلّوا في متاهات غزو القيم و الثقافة و تشويه الحقائق البديهية.

عشاق خط حزب الله و من نشأوا على عقيدته توارثوا عشق الشهادة فيما بينهم منذ ما يقارب الأربعة عشر قرن, هم نشأوا على حب الشهادة و على الإقتداء بنهج إمامهم و حبيبهم أبي عبدالله الحسين عليه و على أصحابه منا السلام . هم كبروا و يقينهم في كل عاشر من مُحرم من كل عام يذكرّهم بأنهم ما ولدوا لهذه الحياة بل لما بعدها , و ما محط إقامتهم في هذه الحياة إلا الإمتحان لولائهم و الإختبار لصبرهم في خدمة الإنسانية و الإسلام و المسلمين و في خدمة ما بُعث الإسلام لإتمامه : صون شهادتي أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله, و الدفاع عن الحق و نصرة المظلوم بغض النظر عن طائفته أو عرقه, و نشر مكارم الأخلاق بالسلوك الحسن و الكلمة الطيبة من دون أي اعتداء على احد لا في الثقافة و لا في الدين و لا في المذهب و لا في العقيدة و لا في الحرية … لذا أن ترى الشيعي من أبرز المتقدمين في العمل المقاوم للصهيونية و للإستكبار العالمي و في أول صفوف المقاتلين لإسرائيل (طبعاً بعد استثناء المتطرفين الحاقدين و الجاهلين بأخلاق و سلوك آل بيت محمد عليهم السلام) فهذا لأن مقاومة الظالم و المحتل جزء من عقيدة أي مؤمن شيعي و هو تربى و نشأ على العمل المقاوم من قبل أن تكون مقاومته جزءً من دفاعه عن أرضه و عن هويته أو عن مقدساته الإسلامية و عن قراه إذا ما احتُلت حتى و لو كان من يسكنها من غير الطائفة الشيعية. ففي لبنان مثلاً, حتى لو لم تكن القرى الجنوبية التي احتلت في أغلبها شيعية كان حزب الله سيولد ليدافع عن لبنان و عن حقوقه و ليطرد من قراه المحتل حتى لو كان أهل هذه القرى من غير طائفته لأن عقيدة الدفاع عن الوطن و عن المظلوم و عن الحقوق هي جزء لا يتجزأ من عقيدته فكيف إذا كان المظلوم لبنانياُ أو عربياً و كان الظالم مستكبراً صهيونياً أو باغياً لا يخجل و لا يرتدع لا بالكلمة الطيبة و لا بالحسنة و لا بالموعظة و لا حتى بالرجاء و التوسل.

إذن و عطفاً على ما تقدم, عندما يستشهد شهيد حزب الله.. فإن حزب الله و عائلة الشهيد و رفاقه و أحبابه و عقلاء بيئته لا ينتظرون التهنئة من أحد, و لا ينتظرون العزاء من أحد, و أكاد أجزم أيضاً أنهم لا ينتظرون التعاطف من أحد رغم أنهم يتمنون هذا التعاطف من أخوتهم في المواطنة و في العروبة و يسرّهم جداً حضوره إذا وُجد. هم يقدمون شهداءهم قرابين أيمان و وطنية و عزة و كرامة رفضاً للذل على مذابح الوطن و الإسلام المحمدي و الدفاع عن القيم الأخلاقية الإنسانية, و ذلك عبر دعمهم السياسي لكل مظلوم يسعى لنيل حقوقه و تواجدهم المعنوي في صفه, و عبر إيثارهم و تضحيتهم بأرواحهم في سبيل الدفاع عن النفس التي حرم الله قتلها و أمر بحفظها. و هم لا يفعلون ما يفعلون منتظرين الشكر من أحد, بل يتقربون إلى الله بالعمل الصالح المجاهد الخالص لوجهه فقط من دون أي غايات دنيوية سوى غاية العيش بسلامة و عدالة و كرامة في أوطانهم بين مواطنيهم من دون أي ذل أو ظلم اجتماعي كان أم حقوقي. تماماً كما هو حال المجاهد المقاوم سمير القنطار و أمثاله من لبنانيين على مختلف مشارب طوائفهم، و مثلهم من عرب أو مسلمين من مختلف جنسياتهم و مختلف أعراقهم. هؤلاء اللذين التقوا مع أهداف و فكر مقاومة حزب الله من دون أي عقيدة دينية أو طائفية جامعة فيما بينهم. اجتمعوا معه لبنانياً تحت خيمة حب الوطن و الدفاع عن حقوق المواطن اللبناني و اجتمعوا معه عربياً تحت خيمة العروبة و الدفاع عن حقوق المواطن العربي و رفض الإحتلال و إعادة تقسيم الوطن العربي و اجتمعوا معه إسلامياً تحت خيمة اللُحمة الإسلامية و الدفاع عن حقوق و مقدسات المسلمين، ثم التقى الجميع انسانياً تحت خيمة القيم الإنسانية الجامعة المدافعة عن حقوق الإنسان و قضاياه العادلة و لو بالكلمة أو بالموقف الصادقَين.

و الدليل على ذلك, أنه حين نفذ الشهيد القائد سمير القنطار مع رفاقه عملية نهاريا في نيسان عام 1979 لم يكن حزب الله قد وُلد بعد, و حين أسر القنطار لم يكن ينتمي إلى مقاومة حزب الله , بل كان إنساناً مقاوماً لبنانياً عشق فلسطين لأنها صاحبة حق مظلومة و سعى إلى تحريرها لأنها ارض عربية سُرقت من حضن وطنها العربي, و حين انضم القنطار إلى منظمة جبهة التحرير الفلسطينية لم يكن يفكر حينها لا كفلسطيني و لا كلبناني بل كان يفكر كإنسان قومي عربي يدافع عن أرضه العربية. لكن في اللحظة التي قرر فيها سمير القنطار أن يختطف سنوات عمره الستة عشر من حضن طفولتها و من حضن مغريات الحياة و اختار درب المقاومة و التحرير و نهج الإستشهاد سبيلاً إلى ذلك من دون أن أية عقيدة جهادية دينية مسبقة و من دون أن يكون قد تربى مثل مقاومي حزب الله على ثقافة نبذ بهارج الحياة و غواياتها ابتغاءً لمرضاة الله, و من دون أن يكون حسيني المنشأ و العشق و الإيثار, لم يعد الفتى سمير القنطار مجرد مقاوم عربي عشق المقاومة و فلسطين بل تحول إيضاً إلى مشروع مناضل أممي محتمل ينتمي إلى منظمة القيم الإنسانية و إلى أخلاقها الفطرية السليمة ,فكان من حيث لا يدري حسيني الفطرة والهوى و العقيدة تماماً كحزب الله .. و على هذه القيم الإنسانية التقى مع مقاومة حزب الله, فكان بحق ذهبها المقاوم و دُرّتها المكنونة, و كان رفيقاً لمقاوميها من قبل أن يولد حزب الله …لأن سمير القنطار الإنسان القومي العربي الصادق المناضل المضحي من أجل نصرة الحق و استرداد الحقوق المسلوبة من دون أي مآرب شخصية أو منافع حزبية أو طائفية او مذهبية, يلتقي في قيمه هذه مع قيم حزب الله. و حزب الله مثله مقاومة صادقة تعشق الصدق و الصادقين و تعشق المناضلين المُضحين, لأن قيم الصدق و التضحية و الإيثار هم من أوائل لُبنات تكوينها و من بين مكونات أسس نشأته. لهذا السبب التقى القنطار و حزب الله عن بعد, و لهذا السبب سعى حزب الله إلى تحريره بأي ثمن حتى لو كلفه الأمر حرباً فرضها العدو عليه و خطط لها مسبقاً, و بفضل هذا اللقاء على هذه القيم ختم سمير القنطار نضاله مجاهداً مقاوماً في صفوف حزب الله و كان فيه قائداً و واحداً من جنود محور المقاومة و الممانعة المدافع عن الحق و عن فلسطين و عن سوريا و عن لبنان و العراق و عن كل بلد عربي يتعرض للغزو الصهيوني, أمريكياً و إسرائيلياً كان أم تكفيرياً وهّابي.

إذن, سمير القنطار ليس مجرد مقاوم انخرط في صفوف المقاومة دفاعاً عن مقدساته و عن أرضه و عن مقاومته أو عن وجوده و إسلامه أو لأنه ورث ثقافة المقاومة عن بيئته و عن أهله .. سمير القنطار كان هذه الجوهرة الثمينة التي خاض المقاومون حرباً ضروساً لأجل تحريرها و إيفائها حقها بتحريرها من أسرها فصار بذلك أيقونة من أيقونات ملاحم و انتصار تموز 2006 . كان رمزاً لتضحيات المقاومين في تلك الحرب و تجسيداً حياً لانتصارهم و كان بعد تحريره يتنقل مقاوماً بين لبنان و سوريا وعينه على فلسطين و الجولان و كانت تظلله أرواح المقاومين الذين استشهدوا في سبيل ما أُسر هو لأجله و ذاق لأجله عذاب و مرارة أسر ثلاثين سنة و ناضل لأجله على مدى ثلاثين سنة ما انحنى فيها لعدوه و لا استسلم له و لا أقر له بحق و لا صافح يده و لا تاب عن عشقه لفلسطين و لا تبرم أو ندم على خياراته.. لهذا السبب خسارته أتت أليمة بحجم فرحة تحريره… لكن العزاء في استشهاده انه هو من طلب الشهادة و هو من سعى لها و هو من أرادها تتويجاً لقصة نضاله و خاتمة لفصولها … والعزاء الأكبر لمحبيه و لجمهور المقاومة في ما كان أعلنه هو بلسانه قبل استشهاده من أن المقاومة السورية انطلقت و لن يستطيع العدو إيقافها او تقويضها لا باغتياله و لا باغتيال رفاقه القادة لأن ما كان بذرة قد نبت و ما كان نبتة قد نمى, و نبتة المقاومة خضراء و سريعة النمو لأن سقياها من دماء الشهداء و من عرق و تضحيات و دماء القادة المجاهدين المناضلين أمثال سمير القنطار و أمثال القادة الشيخ راغب حرب و السيد عباس الموسوي و الحج عماد مغنية رضوان الله تعالى عليهم جميعاً.
تليق بسمير القنطار و بنضاله كل الكلمات الصادقة و الصور الرائعة في قصائد محمود درويش لأنه كان مثله فلسطينياً و كان مثله يفقه لغة حوار القدس مع السماء و كان مثله يتحدث بلغة حجارة فلسطين و لغة أشجار الزيتون و البرتقال و كان أيضاً مثله شاعراً لكنه فاقه بلاغةً حين نظم لفلسطين أطول قصيدة عشق بطول ثلاثين سنة من الصبر و النضال و المقاومة و التغرب عن حضن أهله و الحنين إلى خبز أمه و قهوة امه و لمسة أمه… و تليق بسمير القنطار كل نوتة موسيقية مناضلة صادقة كتبها و عزفها الفنان مارسيل خليفة و غزل لها حكاياها من قصص الأسرى و الشهداء و المناضلين المقاومين كسمير القنطار و رفاقه … و تليق بسمير القنطار أغاني السيدة فيروز و صباحاتها لأنه كان مثلها أرزة من أرز لبنان و كان مثلها نقى الروح شامخاً مقاوماً بصمت و بحِلم ..و يليق بسمير القنطار حب الشباب الفلسطيني المنتفض اليوم في ساحات القدس العتيقة و شوارع زهرة المدائن و لو ما عرفوه و لا عاصروه إلا أنه كان مثلهم و كان في مثل عمرهم حين بدأ مشوار مقاومته و نضاله و هو مثلهم انتفض لفلسطين فتياً من قبل أن يولدوا… و يليق بسمير القنطار عنفوان الياسمين الدمشقي و لغة الحب و الأساطير في أشعار نزار قباني لأنه كان مثلهما سوري الإنتماء و كان مثل المقاومين السوريين ممانعاً حد الشهادة و التضحية بكل غال و نفيس و كان مثل سورية قلعة مقاومة صامدة و قوية في وجه الحرب الكونية على حضارتها و على قيمها و على ثقافتها و تاريخها .. و يليق بسمير القنطار نسبه الذي حمله معه إلى ديار الخلد نسب شهيد حزب الله و ما أجمله و أروعه و أشرفه من نسب يختتم به مسيرة نضاله و جهاده … فاز سمير القنطار و فازت به المقاومة اللبنانية و السورية و الفلسطينية …و فزنا نحن جمهورها و محبيها بأننا رأيناه بيننا مُحرراً و رأيناه ببيننا رمزاً حياً على قوة المقاومة اللبنانية و صوابية خياراتها و على وفاء و صدق سيدنا و قائدنا السيد حسن نصرالله أدام الله ظله و حماه… الشهيد القائد المجاهد سمير القنطار هنيئاً لك الشهادة و مبارك لك الخلود.

34 تعليق

ماذا تقول أنت؟

الرجاء, التأكد من الأطلاع على قواعد الكتابة في نورت قبل نشر تعليقك.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.