الصفحة الرئيسية زاوية القراء مشاركات منقولة عمران دكيش، أيقونة العنف الصامت

عمران دكيش، أيقونة العنف الصامت

صورة جديدة، “تصدم العالم” و”تلهب” مواقع التواصل الاجتماعي، بطلها عمران دكيش، الطفل السوري البالغ من العمر خمس سنوات، الجالس مدمىً في سيارة الإسعاف، بعد أن تم إنقاذه هو وعائلته من داخل مبناهم المهدم جراء إحدى الغارات التي استهدفت حي القاطرجي شرق حلب، ليل الإربعاء. مصطلحات مكررة مثل “صدمة” و”غضب ملتهب” لا ترتقي إلى مقام المقدرة الاستثنائية للصورة في تحريك مشاعر من ظنّوا أنهم باتوا منيعين أمام مشاهد العنف.
ثمة في صورة عمران دكيش رمزية ما قادرة على اختراق جدران الخدر العاطفي الذي يحول دون تأثر الرأي العام بعد ما يزيد على خمس سنوات من الحرب. يبدأ المشهد بخروج أحد المنقذين من مبنى محطم وهو يحمل طفلاً صغيراً. يدخله إلى سيارة الإسعاف ويجلسه على كرسيٍ برتقالي اللون، قبل أن يتركه لوحده ويذهب مبتعداً، ربما لمحاولة إنقاذ المزيد من الضحايا. يرتدي الطفل قميصاً قطنياً وسروالاً قصيراً ملوثان بالرمال والدماء.
يجلس عمران مسنداً جسده بالكامل على الكرسي دائخاً من آثار الصدمة، فيما أقدامه لا تطال الأرض. يضع يديه في حجره كطفلٍ مؤدب لا يريد أن يثير الشغب كي لا تعاقبه الحرب أكثر. القوة البصرية للمشهد، تتمحور هذه المرة حول لغة جسد الصغير. هو يجلس ساكناً في سيارة الإسعاف كما لو أن كل ما يحصل حوله أسرع من قدرته على الاستيعاب. ينظر باتجاه عدسات الكاميرات والمصورين المتجمهرين لإلتقاط صوره بعينٍ واحدة سليمة، فيما تبقى عينه الثانية نصف مغلقة جراء الإصابة.
يكاد لا يعلم أنه الآن محور الاهتمام، فقبل لحظات فقط كان مجرد صغيرٍ تطحنه الحرب تحت أنقاضها. يستوعب الطفل بأن المصورين يركزون أنظارهم عليه وحده، يضع يده على وجهه -حينما يشعر ربما بأن هناك ما يسيل على وجنتيه- ثم ينظر إلى راحة يده المصبوغة بالدماء. بحركة بطيئة لا إرادية يمسح سطح اليد بقماش الكرسي الذي يجلس عليه.
ربما هي المرة الأولى، التي يشعر فيها بأن عيون الحرب تراه. ما يزيد من وقع المشهد، هدوء الحركات التي يقوم فيها الطفل، فهو، وبالرغم من علامات الهلع البادية على وجهه، لا يبكي ولا يفرط في الحركة. بل يكتفي بالجلوس على الكرسي، كأنه يقول للمصورين، والعالم: “إهدأوا إنها مجرد دماء!”.
إلتقط مشهد إنقاذ عمران أحد مراسلي قناة “الجزيرة مباشر” محمود رسلان. في مشاهد لاحقة نرى سيارة الإسعاف وقد إمتلأت بطفلين آخرين، يمدد أحدهما على السرير قبل أن تغلق السيارة أبوابها وتتوجه بهم إلى المستشفى. خلال ساعات، تناقلت وسائل الإعلام صورًا جديدة سرّبها الأطباء المشرفين على علاج عمران، ويظهر فيها الصغير مخدراً بضمادة تلتف على وجهه وعينه.
“للمفارقة، نحن من نذرف الدموع، وأنا لا أرى دموعه هو، لم يبك مرةً واحدة، مصدومٌ بصورة كاملة”.
للأسف مصير الأطفال السوريين واحد إن هربوا أو بقوا”. ففي غضون ساعات ظهرت أعمال غرافيك تذكر بالطفل إيلان الكردي الذي قضى غرقاً ووجد جسده على الشطآن التركية، أثناء محاولة أسرته الهجرة إلى أوروبا عبر البحر، فقارن الكثيرون صورته بعمران المدمى المنتشل من بين الأنقاض.

هناك بالفعل ما هو مشترك بين إيلان وعمران، بالرغم من أن أحدهما توفي، والآخر ما زال لحسن الحظ على قيد الحياة. هي السكينة ربما، التي تلف صورة مأساة كل منهما، بعيداً عن الكلام والمهاترات والضجيج. هو الهدوء في توديع هذا العالم، أو إدانته بالنظرات الزائغة التي يسددها عمران لكاميرات المصورين، قبل أن يمسح دماءه بقماش الكرسي

حسبنا الله ونعم الوكيل
حسبنا الله ونعم الوكيل
حسبنا الله ونعم الوكيل .

2 تعليق

ماذا تقول أنت؟

الرجاء, التأكد من الأطلاع على قواعد الكتابة في نورت قبل نشر تعليقك.