مقال بقلم/ إبراهيم ابو زهرة

فى الأيام الأولى التى تلت سقوط النظام السابق، وقبل إجراء أى انتخابات، لا شعب ولا شورى ولا نقابات ولا رئاسة، قلت لمن حولى من الأصدقاء إن نجم الإخوان بدأ فى الأفول!!، فاعتبرنى معظمهم مغالياً، وبعد سنة وسبعة أشهر تقريبا ما زلت عند رأيى، وقناعاتى تلك مبنية على ما يلى:

1 – لقد درس الإخوان السياسة نظرياً، وأجادوا على أرض الواقع العملى لعبة الانتخابات فقط، ولذلك فإنه عندما خلت الساحة من غريمهم المنحل، كان فوزهم ووصولهم للصدارة فى كل الانتخابات التى جرت منطقياً ومتوقعاً، ولما لم يكن أمر فوزهم بالأغلبية وبالرئاسة محتملاً ولا متوقعاً قبل الثورة، فلم تكن لديهم إستراتيجية لما بعد الفوز والغلبة، واختزلت الأيدلوجية لديهم فى شعار “الإسلام هو الحل”، ولسنا نشك أن فى الإسلام حلول لكل شىء، ولكن الإسلام مفهوم شامل، وذو تأويل واسع، وعند استخلاص الحلول المحددة من الأيدلوجيات الشاملة يحتاج الأمر إلى مفكرين وساسة ذوى علم ورأى وحصافة ليستخلصوا الحلول المطلوبة للمشكلات المعاصرة فى قوالب محددة، مع صياغتها فى نقاط 1، 2، 3.. فى إطار المنهج الشامل، وهذا ما لم يفعله الإخوان!!، ولا لوم عليهم إن لم يفعلوه قبل الثورة، لاعتباره ترفاً وقتها، ولا عذر لهم لكونهم لم يفعلوه بعدها..

2 – هناك فرق كبير بين أن تكون لديك قدرة عالية على تحمل ألم التعذيب والإقصاء لكونك مضطهداً، وأن تكون لديك القدرة على مقاومة شهوة التعذيب والإقصاء لكونك تمتلك القدرة على فعل ذلك، خاصةً وأنت تمتلك الدافع للانتقام، الذى يسمى – تجمُلاً – المعاملة بالمثل، أما خُلق الترفع والسمو فمرحلة من النضج تحتاج إلى وقت يطول ويقصر بحسب الجهد المبذول فى الارتقاء إليه.

3 – يعتقد البعض أن نجاح الكثيرين المشهود لهم من الإخوان كرجال أعمال وإدارة ينبئ عن احتمالية عالية لنجاحهم كساسة ورجال دولة، وهو استنتاج على قدر من المعقولية، ولكن هناك فرقا بين أن تدير مؤسسة خاصة بك، تمتلكها ولك ريعها، ولورثتك من بعدك، وأن تدير مؤسسة ليس لك من ريعها إلا ما كان مجداً أدبياً، أما ما كان عائداً مادياً فأنت أمامه أجير أو خادماً عند ملاكها الكثر. ونجاح رجال الأعمال الإخوان ليس له ما يوازيه فى سياستهم الحالية، بل ويمارسون منهج سابقهم الفاشل المنحل فى محاولة إنعاش الاقتصاد بالقروض (قرض صندوق النقد نموذجاً)، والضرائب (ضريبة المكالمات الهاتفية نموذجاً)، والشحاذة (حملات التبرعات نموذجاً) و.. ولنسألهم: عندما قلتم الإسلام هو الحل هل كنتم تقصدون الحلول التى كان ينتهجها الحزب الوطنى باعتبار أن رجاله كانوا مسلمين أيضاً، أم أن منهج الإسلام به حلول لإنعاش الاقتصاد تقوم على الزراعة والصناعة والتجارة، وما يؤهل لها من تعليم وصحة وعدل، ولكنكم لم تبذلوا جهداً كافياً فى استخلاصها وصياغتها فى برامج محددة، أم افتقدتم الرجال ذوى العلم والفهم القادرين على صياغة السياسة المستقبلية، أم مشغولون بلعبة الانتخابات؟!!.

4 – الدين- أى دين- عقيدة وشريعة، وعندما تقف منادياً بعقيدةٍ ما فإنك ستجمع حولك جمهوراً ما، يقل ويكثر بحسب فصاحتك، وحماسك، وقوة تأثيرك فى الناس، وعوامل أخرى ليس من بينها سلامة عقيدتك، فعندما تقف بين الناس منادياً بشريعةٍ ما فجمهورك يزيد وينقص بقدر ما فى دعوتك من وسائل تكفل لهم الحياة الكريمة والعيش الآمن، فضلاً عن الرفاهية وطيب العيش، وعندما تعد الناس باسم الدين بالحياة الكريمة والعيش الآمن– والدين من عوامل الألفة للقلوب – فإنهم سيلتفون حولك ويناصرونك، ولكنهم عندما يجوعون تحت إمرتك، سيكفرون بك وبما جئت به بأسرع مما أيدوك.

5 – عندما تدّعى أنك القائم على تطبيق شريعة الله فى الأرض دون الآخرين فإنك ربما تكون محمِلاً نفسك فوق طاقتها، لأن فشلك فى تحقيق حقوق الناس لدى ولى الأمر فى العيش الكريم، سيدفعهم لليأس من جدوى الشريعة، فالجوع كافر، بمعنى أن الجوع يدفع إلى الكفر، وتكون صاداً عن دين الله من حيث أردت أن تكون هادياً إليه لكونك بنيت منهجك على خلط واضح بادعائك أنك القائم على تطبيق شريعة الله فى الأرض، جاهلاً أو متجاهلاً أن ما تقوم به أنت هو تأويلك – فهمك – لدين الله لا حقيقة مراد الله، بدليل أن أصل دين الله محدد وواضح، قرآن وسنة، والقرآن محفوظ بإقرار الله بذلك، والسنة معظمها متواتر، وبالتأويل أصبح هناك سنة وشيعة، وصوفية وإخوان وسلفية و.. منبعهم واحد وطرقهم متشعبة.
6 – بين عشية وضحاها أصبح الإخوان فى مقدمة الركب، دون إعداد كاف، ودون استقراء جيد للواقع، فاتسمت سياستهم بالتخبط والارتجال، فأول الرقص حنجلة كما يقولون، والاختبار الذى يصبح عنده الإخوان على المحك هو : كم ستطول مرحلة الحنجلة السياسية تلك قبل أن يدخلون مرحلة احتراف السياسة، ولا تقتصر براعتهم فى احتراف الانتخابات، فالشعب الذى صبر قرونا على الظلم والإخفاق، يضيق بوعد الـ100 يوم، فهل يدرك الإخوان أنهم مرحلة فى عمر الديمقراطية فى مصر؟

7 – أصحاب الثورة الحقيقيون موزعون بين شهداء رحلوا، وأحياء تشرذموا وتفرقوا، وما تآلف منهم توزعوا على عدد من الأحزاب والكيانات الصغيرة التى يستعصى عددها عن الحصر، وتعجز قوتها عن المنافسة، ولكن المرحلة التالية من عمر الديمقراطية سيتم خلالها – بعفوية إن لم يكن بتخطيط – انتخاب حزباً أوضح رؤيةً وأقوى تأثيراً وأقدر على المنافسة، وعندها يصبح الإخوان أمام منافسة حقيقية، وتصبح تجربة الديمقراطية فى مصر قد بلغت مرحلة الرشد.

أيها الأخوان : أمامكم فرصة عظيمة لم يكن يحلم بها أكثركم تفاؤلاً، ولا جدوى من الادعاء بأنكم قد حصلتم على فرصة منقوصة، وأنكم تواجهون معوقات كثيرة، فليس من الطبيعى ولا المنطقى أن تشترط أن تكون وحدك فى الملعب لكى تجيد اللعب، فخلفاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أرسوا قواعد أعظم دولة فى التاريخ وسط معوقات أضعاف أضعاف ما يواجهكم، ولنا فيكم آمال كبيرة، هذه الآمال هى التى دفعتنا لانتخاب مرشحيكم، واعلموا أن نجاحكم لصالحنا، وفشلكم – لا قدر الله – لكم وحدكم، لأن مصر لن تموت بفشل الإخوان، والثورة التى مكنت الإخوان ما زالت مستمرة، وكما مكنت الإخوان لا مانع لديها من تمكين الليبراليين أو الاشتراكيين وكل من تجد فيه أملا يكون فى صالح شعب مصر، وتذكروا أن أحكام التاريخ بقدر ما تكون مجيدة تبعث على الفخر فى بعض الأحيان، فإنها قاسية، مخزية، تورث صاحبها الخزى والهوان فى كثير من الأحيان ولكم فى الماضى القريب العبرة والعظة.

 
شارك الخبر:

شارك برأيك

‫11 تعليق

  1. شيء عجيب ما يحصل الآن في مصر احاول ان لا اتابع ما يجري لأني اشعر بخيبة كبيرة مما يجري
    مقال جيد و عقلاني يا فاتي كانت غلطة المرشحيين الرئاسيون إنهم لم يتفقوا على مرشح مشترك كانت غلطة لا ابالغ إذا قلت تاريخية اوصلت المصريين لما هم فيه الآن
    لكم الله يا مصريين لن يتخلى عنكم بإذن الله

    1. مش عجيب ولا حاجة يا نهى، أغلبنا كان متوقع شئ زى ده، ودى الجولة الأولى فى المواجهة، لسه المواجهات قادمة، وعلشان كده قولنا مش هانعصر على نفسنا لمون وهاننتخب مرسى، ولا كمان هانتتخب شفيق عند فى الاخوان.
      بالنسبة لكلامك عن اتفاق القوى والشعب على مرشح مشترك، صحيح لان أصوات الثوار وباقى الشعب المؤيد للثورة واللى كان ضد الأخوان وفى نفس الوقت ضد شفيق تشتت على اربع مرشحين تقدرى تقولى انهم ممثلى للثورة المصرية.

  2. مشكلة الأخوان مواقفهم ليست واضحة يأخذون و يعطون و يحاولون ان يكسبون الجميع و هذا محال

  3. الاخوان لا يقبلون الرأى الاخر لقد رأينا امس ماذا فعلوا في المنصة من تكسير وتحطيم وما خفى اغظم وكلام صفوت حجازى هذا المتأسلم دليل على انهم مستعدين للقتل من اجل البقاء في الكرسى …………….الجزائر

  4. مقال منطقي ومصر لكي تكون ام الدنيا والعرب يجب ان تكون لها مواقفها القومية والبعيدة عن المزايدات السياسية والدخول في الفتنة التي يشعلها ملوك النفط والبترول وهناك فرق بين ان توقع وتتنازل مقابل الدعم المالي والاستثمارات وبين ان تقف مواقف قومية عادلة كعدل اسلامنا وتنصر الحق الواضح وليس المرسوم من الاعلام المضلل والفرصة ما تزال امامهم قائمة ولكن الى متى

  5. عندي سؤال يا فاتي اذا قارنا بضرورة المليونية للتعبير عن الرأي لرفض القرارات الجائرة مثل تبرئة المسؤلين عن موقعة الجمل مثلاً و إنعكاسها السلبي على الإقتصاد المصرى كما تعلمين فاتي الإستثمارات تبحث عن بلد آمن
    هؤلاء المرشحين الرئاسيين السابقين لما لا يعلنوا عن إتحاد ما و يتابعوا هم باسمه عن كل ما يقلق الناس بدل النزول الى الشارع مع كل الفوضى و الجرحى بالعشرات ما اهمية الأحزاب اذا لم تكن معبرة عن الناس فليكن النزول الى الشارع للضرورة القصوى فقط و لا أيه ٠٠٠

    1. مساء الخيرات نهى.
      اكيد طبعاً استقرار اى دولة وخاصة من الناحية الأمنية، بيجذب الاستثمارات لذلك البلد، لكن مصر فى حالة ثورة، وفى اعقاب اى ثورة توابع وقلاقل وعثرات واضطرابات لابد أن تمر بها، وأى مستثمر متمرس فى مجاله، ويملك خبرة وحنكة اقتصادية لن يترك السوق المصرى ابداً، وهايكون متفهم للوضع اللى بتمر بيه البلد.
      بالنسبة للمليونيات والمظاهرات، للاسف لو ماعملناش كده المطالب الخاصة بالثورة هاتموت وماحدش هايفكر من القادة الحاليين انه يحققها لو ماتمش الضغط عليهم بالطريقة دى، لانه من وصل لكرسى الحكم _من وجهة نظرى_ ليسوا بثوريين، بل هم دعاة سلطة كسابقهم، خصوصا أن همهم الاول والاوحد ليس البلد ولا شعبه، بل تفصيل مصر على مقاسهم، ليتمكنواااااااااااااااااااا.
      المرشحيين السابقيين لا يملكون من امرهم حاليا سوى الضغط بطريقة التظاهرات او التحذيرات او النصائح، خاصة أن بعضهم بيتعرض لهجمة شرسة جداً من الاخوان لتشويه صورتهم باى طريقة، وعلى راسهم طبعا البرادعى وصباحى. الموضوع مش سهل، لكنه مش مستحيل.

  6. بعرف ان الموضوع مش سهل لكن هذا الوضع سبب جيد لكي تتحد المعارضة على الحد الأدنى من المطالب و ترفعها للرئيس مرسي باسم الملايين التي إنتخبتهم ٠٠
    الى جانب كل الصعوبات بسبب سيطرة مبارك على الحكم لمدة ثلاثين عاماً لم يكن هناك نشاط سياسي متطور في مصر لا اعلم لكني استنتج يا فاتي
    برأيي اللوم يقع على المعارضة كما يقع على الإخوان في عودة المتظاهرين الى الشارع حيث كل الإحتمالات مفتوحة للفوضى

ماذا تقول أنت؟
اترك رداً على فاتى إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *