في ذاكرة كلٍّ منا حتمًا أصداءٌ شاحبة لتلك الغرفة المحرمة، هي عادةً الغرفة رقم “7” التي لا ينسي الساحر أو لا تنسي الساحرة أن تحذر قبل اختفائها بطل الحكاية الأسطورية من دخولها تحديدًا دون الإفصاح عن سبب التحذير، إغراءٌ من نوع آخر، وبطبيعة الحال، لأن الإنسان الأسطوريَّ كالإنسان كائن فضولي لا يهدأ قلب السندباد أو غيره قبل أن يتخلي عن تردده ويفتح الباب المغلق علي المجهول ليرتطم بالأشكيف أو الأميرة الأسيرة أو أي شئ آخر، فنحن الذين لا نخجل من الحديث عن قومية واحدة لم نتفق بعد، ولن نتفق، علي الوحدة الموضوعية لأساطيرنا الخاصة حتي!

ثورة الخامس والعشرين من يناير، كما يليق بثورة كلاسيكية عظيمة، لم تكن أبدًا مفتاح باب الغرفة المحرمة، إنما كانت المعول الكبير الذي نسف الجدران التي واظب الجلادون علي حراستها حتي آخر قتيل صمَّم أن يموت ليشتري بدمه للآخرين واقعًا أقلَّ عهرًا ليكتشف المصريون قطيعًا من اللصوص الضالة يدير شئون مصر بحصانة السياط منذ عقود طويلة يسكن الغرفة!

هذا الاكتشاف وحده يضع ثورة يناير في صدارة لائحة أعظم الثورات علي طول التاريخ وعرضه!

لم يبق في مصر قناعٌ لم يسقط، ولا حنجرة كان المصريون يظنونها مسكونة بالرفض لم يُكتشف من يعزف أجنداته السامة علي أوتارها، ولا دمٌ لم يُعرف من أراقه، ولا مؤامرة لم يتعري من نسجها، كل سرٍّ يشتعل الآن كفضيحة!

لا ألوم الأوغاد علي نذالتهم، فالنذالة هي خرزتهم التي اختاروها من العقد، وهم فعلوا أقصي ما يستطيعون في خداع القطيع حتي سكنوا أصنامًا من غبار لحسن الحظ أنها الآن انهارت، أو تواصل الانهيار، كان آخر صنم منهار من نصيب “محمد منير”، وهو الحدث الذي وضع المصريون الأصليون بوضوح أمام العمق المروع لقدرة الإنسان علي إبداع الخداع، وأنزل بالكثيرين الألم في الحقيقة!

قناعٌ آخر قد تمزق عن وجه دميم، (نحسي)، وهو الاسم الذي تعارف عليه المصريون القدماء عَلَمًَا علي النوبيين وأخذه عنهم العبرانيون، ويعني، صاحب الوجه القاتم، وحتي وقت قريب كان اسم (نحسيو) هو الترجمة المعتمدة لمفردة (زنجي)، لا أقصد هنا لون البشرة، إنما لون القلب!

العرب أيضًا لمسوا هذا المعني، كما لمسه القرآن في سورة القمر:

(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ)..

من الجدير بالذكر أن “محمد منير” لم يقل يومًا أنه من دعاة التغيير، ولا نزل يومًا ميدان التحرير، حتي الحفل الذي روج البعض عقب الثورة بقليل أنه سيحييه في الميدان اعتذر عنه، وهو، كغيره من الفنانين، أفرط في حديثٍ لا نعلم شيئًا عن مدي صحته عن مضايقاتٍ تعرض لها من أمن الدولة عقب عشاء جمعه بالدكتور “محمد البرادعي”!

نحن إذًا من شنق المنطق، لقد حاصرنا نبض الرفض في أغاني “منير” بانطباع عنه كثائر مطبوع، وهذا انطباع مختلّ، إن الإشادة بالإنسان فعلٌ لا كلام مجاني يصدر من حناجر مكيفة، ولو كان الكلام المجاني يصلح لتربية انطباعات حقيقة لجاز لنا أن نعتبر “عادل إمام” النسخة المصرية من “جيفارا”، لولا أفكارنا المسبقة عنه كأداة رخوة من أدوات نظام “مبارك” لتمرير رسائل سياسية محددة عندما حاول لأول وآخر مرة أن يكون حقيقيّاً ويتجاوز الرقيب في فيلم “رسالة إلي الوالي” جلدوه عما شهور قليلة بصناعة بديل مزيف من مجرد كومبارس باشروا تربية الضوء الغير مبرر في اسمه حتي ترهل فعلاً، عندما استوعب “عادل إمام” الرسالة جيدًا وتاب وأناب، عاد “محمد هنيدي” إلي نقطته الأولي أو يكاد!

حدث آخر في سياق آخر يصب في نفس الإطار..

عام 1991، عقب احتلال العراق للكويت وقف “عبد الله الرويشد” علي خشبة أحد مسارح القاهرة وغني بانفعالاتٍ مسائية كأنها حقيقية:

ياااا الله، يا أمة الإسلام، خلص مني الكلام، لا عين شايفه حق، ولا شايفه ملام، بيتي وبيقول بيته، بيتي وبيقول بيته، اللي جه يعتدي، ومسجد لله بنيته، ومسجد لله بنيته، بيقول ده مسجدي!

بكائية أدمت ذاك المساء الكثير من القلوب المرهفة، “ومسجد لله بنيته” علي وجه الخصوص، لكن، في الساعات الأولي من صباح نفس الليلة، عندما كانت قلوب الكثيرين تجتر هذه الكلمات وتأخذها علي محمل الجد، حدث أن تم إلقاء القبض علي “عبد الله الرويشد” ولاعب الكرة “جمال عبد الحميد” يمارسان الجنس مع “فلة الجزائرية”، وتم منع الأخيرة تعقيبًا علي تلك القضية من دخول مصر!

أيُّ جين ردئ ذلك المسئول عن سمك الجلد عند الإنسان؟

لا تصدق كل ما تسمع، وافهم، قبل كل شئ، أن شارع “محمد علي” ليس شارعًا محددًا، وأن الكباريهات ليست أمكنة، وأن ذاكرة المكان تهرب أحيانًا إلي القلوب المسكونة بمشاعر رخيصة ومبتذلة، وأن كثيرين ممن يعيشون في أرقي الأمكنة يحملون في قلوبهم ذاكرة شارع “محمد علي”!

والآن..

تحولات “محمد منير” الأخيرة قادتني إلي ذكري حقيقةٍ عن كاتب أيرلندا العظيم “برنارد شو”، لقد رفض جائزة نوبل عندما اختارته وبرر رفضه بقولته الشهيرة:

– إن هذا طوق نجاة يلقى به إلى رجل وصل فعلاً إلى بر الأمان، ولم يَعُدْ عليه من خطر!

“منير” أيضًا كان قد وصل فعلاً إلي الساحل وتجاوز الخطر، فلا أعتقد أن هناك في مصر فنان آخر سوي “عمرو دياب” يزاحم اسمه في السيرة الذاتية المصغرة لنصف حسابات المصريين تقريبًا علي تويتر والفيسبوك اسم “محمد منير”، وبكل تأكيد!

فما هي العلة التي ينخفض إليها الخلل في تصرفاته المتعاقبة الأخيرة، هل وجد أخيرًا مصر التي كان يكرز لها في أغانيه، أي جائزة يا تري يمكن أن تسد الفجوة التي أحدثها بينه وبين رعيته السابقة، كملك معزول؟

وهل حاور “منير” هواجسه عن إحساس شاب يسمر حبه له علي حائطه في تويتر أو الفيسبوك قُتِلَ صديقه أو أخوه أو جاره في كرنفال القتل المجاني في مصر عندما يراه وهو يعلن أن مذيعه المفضل هو “أحمد موسي”، وهذا ليس اسمًا بقدر ما هو وظيفة، أو، دمية تحرض علي القتل لابد أنها ساهمت بشكلٍ أو بآخر في انهيار جزء مهم من ذاكرته بفقدان عزيزه، هل حاور هواجسه؟

أو، عندما، يراه، وهو يغازل ابنة دميةٍ أخري لا تقلُّ انحطاطًا ويصفها بعد فراغها من فاصل من رقص البطن بقوله:

– إنتي مشروع لوحدك!

تكهن البعض بأن “منير” يتصرف هكذا تحت طائلة السُكْر، أي بمنطق “المتنبي”:

نال الذي نلتُ منهُ منِّي / لله ما تصنعً الخمورُ!

وهذا هراء، فهو قديم العهد بتعاطي الخمور، وجدًا؟!

كما أن في نهج أغانيه مؤخرًا تحول مريب، وشديد الوضوح، فماذا يحدث؟!

هل ثمة ضغوطٌ مورست ضده، وهل لهذه الضغوط علاقة بزواجه من شابة نوبية لأقل من شهرين فقط، هذا الأسلوب طرقه أمن الدولة أيضًا منذ سنوات لإخضاع الفنان “عبد العزيز مخيون”، ربما، وربما، هو أراد فقط بزواجه القصير من نوبية أن يسجل موقفًا يلمع كالخنجر في أدب النوبيين وفنهم، يدركه بسهولة كل من لمسهم عن قرب، إنهم يعتبرون زواج النوبي من غير نوبية أو العكس هو خيانة للهوية النوبية!

مما لا شك فيه أن التحولات الفكرية العنيفة لا تطرأ فجأة، لذلك، إما أن يكون (الملك المعزول) ضليعًا في أساليب الحرباء، وأن القدرة علي التلون بعض مواهبه، وإما أنه يتصرف هكذا وفوهة فضيحة كبري مصوبة إلي ظهره!

في الحالتين، يؤسفني والله أن أقول أن “طلعت زكريا”، حاحا، صار الآن في العيون أكثر استحقاقًا للتقدير من “منير”، فالرجل لم يتنصل أبدًا من موقفه تجاه “مبارك”، بل واظب علي حراسة موقفه من 25 يناير مرورًا بأكثر الأوقات عصبية وحدة وحتي النهاية!

يا ملكنا المعزول، لقد ألقيت نردك علي الرقم الخاسر، لا تغرنك حصانة اللحظة، رويدًا، إن غدًا لناظره قريب!

ثم، من قال أنَّ “كبريت” يمكن أن يملك روحًا مسكونة بالثورة، ذاكرة الذلّ هي ألأطول اشتعالاً، أطول عمرًا من ذاكرة السجن حتي، لكنها أصنامنا التي صنعناها علي أعيننا تنهار وتنهار تحت ركامها أحلامنا، حتي حين!

شارك الخبر:

شارك برأيك

تعليق واحد

ماذا تقول أنت؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *