>

أعتذر إن كان عنوان المقال يحمل صيغة وصبغة سوقية ، لكن هكذا يجب أن يكون على حقيقته ، فصاحبنا معلماً مرموقاً ، وأصبح أبو بوله المجنون في ليلة وضحاها ، وهو الأن هائم من شارع إلي آخر بثياب متسخة ، أشعث اللحية ، مغبر الوجه ، وبأسنان نخرة ، ويشحذ الريال من المارة ، والأطفال تسير خلفه وتصرخ بسخرية ( أبو بوله ! أبو بوله ! ) .. مع الأسف إن ماحدث له مأساوي من الدرجة الأولى ، وسببها قلة الوعي ، والطمع ، والجهل . وهاهي القصة عند أعتاب عقولكم :
تـدور أحداثها بداية الثمانينات الميلادية ، فصاحبنا الأبن الأكبر بين إخـوته الذكور التسعة ، لأب ستيني غني جداً ومتزوج من ثلاث نساء ، وبأعمار كبيرة التفاوت ، ويعد المنافس الوحيد لأشعب بخيل العرب ، وقيل إن القائمين على كتاب جينيس أحتاروا فيه ! وكيف يضيفـونه بقائمة البخلاء العالمية التي لديهم ؟ لأنهم يحتاجون إلي مقياس بخل أعلى مما يستعملوه !
كان الأب حاذقاً جداً في إحتراف البخل وجلب الأموال من دباديب النمل ، إذ يغربل جيوب أبناءه كي تتساقط النقود من بين جوانبهم وبطونهم ، وقد اشتهر بذلك بين أهله وجيرانه ، إذ كان يدفع أبناءه للعمل وهم صغار كي يأخذ رواتبهم البسيطة ، وكذلك يفعل مع البنات ، إذ كن يخطن ويصلحن الملابس بالبيت ، وبعضهن تبيع ماتسمى ( البسطة ) ، وهي حاجيات الأطفال من البسكويت والأيسكريم ، وهكذا دواليك ، فيقبض أي ريال يدخل البيت عن طريق أبناءه ، وكان يرفض أي طبق طعام يخرج من بيته للجيران ، وخاصة بشهر رمضان ، كما هو العرف السائد عند المسلمين .. أما على ذكر السيارة ، فكانت سيارته سوبربان مهترئة موديل 1900 قبل الميلاد ، وكان يكنز أبناءه وبناته من الثلاث زوجات بداخلها عند الحاجة ، ولم يكن يعرف عنه إنه سافر بهم كباقي البشر .. أحياناً يأخذون غدائهم المحسوب بحبة الرز إلي إحدى المنتـزهات القريبة ، ويعودوا أدراجهم آخر النهار ، وكان يعرف أيضا ً بشغفه المولع بحضور ولائم الزواج والعزاء ، لأنه ينقض على اللحم كما ينقض النمر على فريسته !
لنعود الأن إلي بطل المقال ، وهو أبنه المعلم المسكين ( أبو بوله ) ، فقد تخرج الأستاذ بالسنة الثانية بعد الثمانين وتسعمائة وألف الميلادية بدرجة بكالوريوس لغة إنجليزية من كلية الأداب بجامعة الملك سعود بالرياض ، وحصل على عمل بإحدى مدارس المنطقة الشرقية ، وأصبح معلماً يفتخر به بالمرحلة المتوسطة ، وما إن قبض أول راتب له صباحاً ، ومقداره حينذاك ، ثلاثة ألاف ريال ، حتى دخل بيتهم سعيداً بعد الظهر كي يخبر أمه وأخواته ، فـفرش ورق النقود فوق سريره الأرضي ، ( الدوشق ) ، وصلى ركعتين فرحاً وشاكراً الله الذي حقق أمنيته ، و رزقه ماحلم به .
عصراً بنفس اليوم ، سمع والده بالخبر ، فدخل البيت بصراخه المعتاد معاتباً ، وما إن سمع المعلم صوت أبيه ، حتى جمع أمواله هبشاً بخطفة سريعة ! وأدخلها جيبه ، وهرب مسرعاً نحو حمام بيتهم الوحيد أعزكم الله ، فألتزم الصمت .. وبعد دقائق فقط ! سمع زئير أبيه من خلف الباب : ” أخرج بسلام وأعطيني الراتب يا إبن ؟؟؟ ” ، فلم يعيده جواباً ، ومع الأسف ، وأمام عيون الأبناء والبنات وذفرات دموع الأم الحنون ، دفع الأب الباب بقوة ودخل الحمام وأقفله خلفه ، وسمع الجميع صوت الضرب والصفع واللطم ، وصرخات الأبن تتعالى عنان السماء ، وخرج الأب منتصراً ، والغنيمة بين يديه وهو يعدها ورقة ورقة .
منذ ذاك اليوم والمعلم مجنون يهيم بالشوارع ، إذ أصبح معلماً لشهر واحد فقط ، ولقد ُأخبرت بقصته من أحد الأشخاص ، فذهبت بنفسي إلي منطقته ، وقابلته شخصياً ، فوجدته يفترش الرصيف وهو ملثم بالشماغ الأحمر المقطع ، وبلحية كثيفة، ويدخن سيجارة المالبورو الأحمر الواحدة تلو الأخرى ، وأسنانه كأعجاز نخل خاوية ، وأصابعه محترقة من نار السيجار ، ورائحته كبول نتن أعزكم الله ، وهو يحدق النظر بالجدار ، ويضحك مكرراً بالإنجليزي كلمة ( Teacher) ، وقد أعجزني وأثقل كاهلي ذكائه ، إذ كلما ألقيت عليه كلمة بالعربي يردها بالإنجليزي أو العكس ، ويطلب مقابل ذلك ريالاً ، وهكذا يفعل مع الناس كي يجمع مبلغاً لعلبة السيجار .. نسيت أن أخبركم إنه يوم دخل الفصل على تلاميذه بأول يوم عمل له ، كان ممسكاً بكرتون كاكاو باونتي ، وقال للطلبة : هذا لكم من بسطة أختي الكبرى التي لم تـتزوج ، هدية بمناسبة تحقيق الحلم ! وهو المفضل عندي.

فوزي صادق / كاتب وروائي : www.holool.info

شارك برأيك

‫23 تعليق

  1. قصة حزينة ومؤثرة ….
    الله ينعل البخل و البخلاء!!!! لا اعرف بما انه بخيل لماذا الإنجاب لماذا يأتي بضحايا لهذا المجتمع.
    المسكين ربما أصابه مس بسبب ضربه في الحمام . الله يشفيه و ينتقم من الأب الشيطان.

    1. ستار موروكو
      ممكن يكون أصابه مس لأنو ضربه بالحمام
      الله يبعتلو ضربه وحربه وصياد أعمى
      على رأيك لما هو بخيل هالقد ليش يخالف هالأولاد ويحمل ذنبهم
      كيفك يا ستار إن شاء الله تكوني بخير

  2. لا حول ولا قوة إلا بالله
    الله ينتقم من أبوه
    هذاك مش اب
    الله يجمع عقولنا وقت المصائب
    والله احزنتني القصة

  3. هو وماله لابيه كما في الحديث , ولو عمل به لكمل عقله ومد في عمره وزيد في رزقه , فبخل الاب وجشعه وان تكن صفات مذمومة لا تعطي الحق ان يصارع ابيه في الحمام !انما كان عليه ان يتبع سبل احرى ,
    فالوالدين وان كانا من اهل الشرك والكفر لايحق للولد ان يقاتلهما وان جاهداه على ان يشرك بالله شيء عليه ان يصحبهما في الدنيا معروفا ولايقل لهما اف ويتبع سبيل من اناب … والى الله مرجعنا جميعا , فالاسلام جعل للاباء والامهات حقوقا ان اداها الابناء حصلوا اجرا عظيما , اللهم ارضي عنا الوالدين احياء واموات

  4. حال دولنا لا يختلف عن حال هذا البخيل بل موقفهم اسواء مليارات الدولارات مجمدة في البنوك السويسرية لا يستفيدون منها و لا يفرجون عنها حتى تستفيد منها الشعوب

  5. ندمت اللي قرأت القصة لأنه متل ما بيقولوا قلبنا من الحامض لاوي يعني مو ناقصنا حزن ومأسي
    كنت فاكرتها قصة كوميدية ..لعن الله البخل والبخلاء ما أقبحهم وبالأخر هالبخيل ما رح يموت شو رح ياخد معه للقبر كله رح يتركه وبيكون هو عاش بضنك وشدة وغيره سيتنعم فيه .

  6. القصة محزنة مع الاسف يوجد في عالمنا هذا كثير من القساوة من بعض الاهالي … القوانين في اميركا صارمة جدا من ناحية التعدي على الابناء الحمدلله..

  7. جاء ضيف الى صديق له بخيل وما أن وصل الضيف حتى
    نادى البخيل ابنه وقال له:
    يا ولد عندنا ضيف عزيز على قلبي فاذهب واشترى
    لنا نصف كيلو لحم من أحسن لحم. ذهب الولد وبعد مدة عاد ولم يشترى شيئاً
    فسأله أبوه: أين اللحم؟
    فقال الولد: ذهبت إلى الجزار
    وقلت له:أعطنا أحسن ما عندك من لحم.
    فقال الجزار:سأعطيك لحماً كأنه الزبد.
    قلت لنفسيإذا كان كذلك فلماذا لا أشتري الزبد بدل اللحم. فذهبت إلى البقال
    وقلت له: أعطنا أحسن ما عندك من الزبد.
    فقال: أعطيك زبداً كأنه الدبس.
    فقلت: إذا كان الأمر كذلك فالأفضل أن أشتري الدبس. فذهبت إلى بائع الدبس
    وقلت:
    أعطنا أحسن ما عندك من الدبس.
    فقال الرجل:أعطيك «دبساً» كأنه الماء الصافي
    فقلت لنفسي:إذا كان الأمر كذلك، فعندنا ماء صافٍ في البيت.
    وهكذا عدت دون أن أشتري شيئاً.
    قال الأب: يالك من صبي شاطر. ولكن فاتك شيء. لقد استهلكت حذاءك بالجري من دكانٍ إلى دكان
    فأجاب الابن «لا يا أبي.. أنا لبست حذاء الضيف

    ………..ز

    إذا قلت قولأ لايصـــــدقه العقــــــلُ
    عليكم بتصــــديقي فإني لــــه أهــــلُ
    سأروي لكم تفصيـــــل رؤياً رأيتها
    عسى أن تلاقوا في تفاسيرهــــا حـلُّ
    رأيت كأني عـــــــــند بابٍ مزخرفٍ
    وقدخُط فوق البــــاب “ياحّبذا البخلُ”
    فنبهني صــــــــوت ورائي إذا بــــهِ
    عجوزٌ أتى يمشي كمـــا يمشي الجُعلُ
    كبيرٌ حنـــــــاه الدهر ممسك بالعصا
    بكلتا ذراعيه فصــــــارت له رجــــــلُ
    فقلت له لما رمـــــــاني بنظـــــرةٍ :
    لقد رعتني حقـــــاً فمن أنت يا كهــــلُ
    أ أنت مــــن التاريخ يا شيخ قــــادمٌ
    وما بــــال حالك لا ثيــــابٌ ولا نعـــــلُ
    فقال أنا المذموم في كــــــــل معشرٍ
    ومدَّ عصاه ثــــم قال : أنا البخـــــــــلُ
    فقلت أتهزأ بي يا شيخ مــــــازحـــاً
    لقد قلت لي هــــزلاً وما مثلي الهـــزلُ
    فقال وأيــــم الله إني لصـــــــــــادقٌ
    إذا قلت قــــولاً لايكــــذُبه الفعــــــلُ
    تذكر رعــــــاك الله مني وصيـــــــة
    ففي البخل بين الناس قولي هو الفصلُ
    وفي البخــــــل لوتعلــــم فوائد جمَّةٌ
    فيكفيك منـــه أنه المـــركب السهــــلُ
    ولا تكنز الأمـــــــوال إلا بفضلـــــــه
    ويكفيك سؤل النـــاس إن عزّك السؤلُ
    وتسلم من شرِّ الضيــــوف وثقلهـــم
    ألا إن ضيف الباخليـــن لــــه ثقــــلُ
    مدحت إليك البخلَ إبغيك صــــــــاحباً
    فإن شئت أن تصبح بخيلاً فــــلا تألــو
    أطعني تجـــد خيراً كثيراً فصحت به
    أتطمع في مثلي كريمـــــاً له فضـــــلُ
    فما يبخــــل الإنســــانُ إلا لجهلــــــه
    ألا قبَّح الله مــــا يأتي به الجهــــــلُ
    على أن بخـــل النــــاس لا بدَّ واقــعٌ
    فلولا وجود البخل لم يُمــــدح البـــذلُ
    ولولا اختلاف الليل لم يطلع الضُحى
    ولولا وقوع الظُلم لــــم يُمدح العــدلُ
    فقهقه مـن قـــولي وقال : رويدكـــم
    تذمّون بخلي إنّمــــا أنتــــــم البخـــلُ
    وجـــدت أخيراً سيــد البخـــل عندكم
    وأبخـــــل خلـــــق الله يا ليته بغـــــلُ
    لقـد فـــاقني في البخـــل حتى كأنّني
    بقيت لـــــه فرعاً وصار هــــوالأصلُ
    وقد كنت متبوعــــاً فأصبحت تابعــاً
    وصرت بلا شغلٍ وقـــد كان لي شغلُ
    يَتِيهُ على الأنــــذال بخــــــلاً وخسّةً
    ويجمع في دنياه ما لا يجمع النمـــلُ
    فقلت فمـــن ذا الـــذي قـــد تبعتــــه
    وهل في القرون الغابرات له مثــــلُ
    فقــال وهـــل يأت الــــزمان بمثــله
    فليس له بعـــــد وليس لـــه قبــــــلُ
    لقد طفتُ في الـدنيا وجــرّبت أهلها
    وما فاتني منهــــا بخيلٌ ولا نــــــذلُ
    وعمّرت أزمــانــاً قـــروناً كثيــــرةً
    أحلُّ مع البخلاءِ من حيث ما حلـــوا
    ألى أن رأت عيني بخيـــلاً بأرضكم
    وقلت له أهلاُ قــــد اجتمع الشمــــلُ
    ولكنّ بخلي كلُّ من دون بخلــــــــه
    مع أن أهل البخــل في مطلبي كلــّوا
    فقلت لــــه يا بخــــلُ يكفيك ذمّـــــه
    لقد زدتني شــــوقاً فمن ذلك الفحــلُ
    فقال اسمــــه بالعين يبدأ وجــــدُّهُ
    نبات بأرض العُرب ترعى به الإبــــــلُ
    فأصبحتُ مذعوراً لمــــــا قد رأيته
    أنا لم أقل شيئاُ لقد قالــه ( البخلُ)

  8. الكفن ما بيه جيوب … بس ما عسانا نقول يا اخ فوزي
    الله يلطف بهلمسكين ويرده لعقله يارب

  9. جميل جداً أستاذ فوزي الأسلوب الروائي الذي استخدمته
    والقصة محزنة
    وكلامك يا وهب كتير جيد ومحق من حيث البر بالوالدين وان كانا من أهل الشرك
    ولكن يا اخ وهب ما عاشه هذا الأستاذ وما شاهده من كثرة البسطات التابعة لإخوته البنات . جره إلى الخوف من بطش الوالد وأخذه المال منه جعله يختبئ
    في الحمام والظاهر من القصة انه لم يقاوم الأب
    على كل ربنا حمي آباء الناس ووالديك ويبعد البخل عن محبينا

  10. الله يعين الناس على مصايبها !!
    يعنى الولد طلع ابخل من الاب على الاقل الاب بخيل بس عاقل ! لكن الولد من أول راتب ضاع من عنده إنجن ؟
    شكرا يا أخ فوزى على القصه المؤثره بس شنو سر هبوطك من السماء إلى الارض !!
    بديتها بالوزراء ونهيتها بأبو شخه ؟

  11. اتمنى لو تفتح الحكومة السعودية و غيرها ملجأ و مصحات لمساعدة المشردين و من يعانون من اضطراب نفسي او عقلي ..

    هناك ما يسمى ب (عقوق الوالدين) و هناك آفة خطيرة و حزينة بعصرنا هذا (عقوق الوالدين لأبنائهم) و هذا ما يخلق فجوة بين الأبناء و الوالدين و يجعلهم يصاحبون خارج البيت عِوض اللجوء للاهل!
    كتاباتك راقية أستاذ فوزي, بارك الله بك, فأنت فصيح تعرف ايصال أفكارك للقارئ.

ماذا تقول أنت؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *