الصفحة الرئيسية زاوية القراء ليتني لم أكن عربيأ

ليتني لم أكن عربيأ

بواسطة -
37 108

مرسلة من صديق الموقع فريد البدري

بين هذا الليل الذي يلونه السحاب الأحمر ، وتبدو السماء كأنها ظهيرة ، أسمع أنين تلك المدينة ، وأمضي في شوارعها ، ويمزقني صراخ طفلة تلوح لي من البعيد بثوبها الممزق كالرماد …

من البعيد يتسلل إليّ صوتها ، وتحز في نفسي كلماتها ..

أمضِ في ذلك الشارع .. يقترب الصوت ..
أرى دموعها الثائرة تلتمع وسط ذلك الشارع الذي تعلوه أصوات المدافع ..!

* كفا يا صغيرتي ، لا تبكِ

– أترى ما هناك ؟

* نعم يا عزيزتي بقايا بيت تهشم

– أترى ذلك البيت ،أنظر بوضوح إلى البيت .. اللعبة .. ذلك الباب

* نعم يا عزيزتي أني أرى بكل وضوح

-هناك دفنوا اللعابي ، هدموا جدار غرفتي ، قتلوا أمي وأبي وخلف ذلك الباب يمكثون إلى الأبد ، جميعهم رحلوا عني أبي أمي أخي جميعهم تركوني وحيدة في هذا الشارع الذي تخترقه في اليوم مئات من القنابل العنقودية القاسية التي لا تعرف الرحمة ولا حتى الشفقة .
( وتنفجر بالبكاء ..)

ينكسر قلبي وأعتصر ألماً ، وأصرخ رغم رجولتي صرخة صماء زلزلت كيان جسدي المرهق ” ليتني ما كنت عربي ”

* لاتبكِ يا عزيزتي ؛ الشهداء لا يبكونهم ، هم الآن ينظرون لنا من الجنة وينعمون بالشرب من أعذب الأنهار ..

– هي لا أبكيهم

* إذن لما البكاء ..؟

-أبكي على الحائط المبهمم ، أبكي على نافذتي المحبوسة ، أبكي على شارعي هذا ، أبكي على مدينتي التي تأن بصمت يذوي الأحشاء ..

وتصرخ لا للظلم ما أقساه ..!
لا للعدوان
لا للصواريخ
لا للدمار على بغداد فاتنة العرب

نظرتْ إليّ بكل كبرياء وبراءة الأطفال ، نظرة حزت في نفسي كثيراً ..

-كانوا بالأمس نائمون ومنذ مئات السنين نائمون وإلى اليوم نائمون ..!

* من هم يا عزيزتي ..؟

وتكمل حديثها ودموع الحسرة ترتطم بوجنتيها ..!

– جدتي كانت تقول لي دوماً حذار ِ من إيقاضهم يا أمل وأن بكيتِ لا ترفعي صوتكِ ، فالأفعى السامة لا تسمح بذلك ، ستلتهم كل من يقف بطريقها .. فهذا السبات سيطول ولكن لن يستمر ..

-أنا حزينة جداً

* من هم يا أمل ؟

-عفواً لا أستطيع أخباركِ ، فالكلام غير مباح ، وهمساتي هذه تشكل الاعتراض ..!

ذرفت عيناي نداً رقيقاً من الدمع ، وأحترق قلبي ، فتلك الطفلة أشعلت النيران الغاضبة بين أنفاسي ..

– ما بكِ ؟

* لقد غرستِ شوكة اخترقت هذا المكان ، وأشرتُ بسبابتي لموضع القلب .

– دعينا نمشي قليلاً أرهقني الكلام ..؟

* نعم ولكن أين ؟

– في ذلك الشارع المجاور

* أين ..؟ أمجنونة يا أمل ، ألاَ تسمعين صافرة الإنذار تنبأ عن أقتراب الخطر ..؟

– خائف؟

*نعم يا أمل فالصوت يصيبني بالذعر ..

_ إذن دعني أمشِ بمفردي

وسحبت قدميها النحيلتين ، ومضت في ذلك الشارع المذعر بكل شموخ لم تهتم لشيء أعتاد أذناها على أنين الحرب ..

*أمل .. أمل .. تعالي يا عزيزتي أخشى عليك من الخطر

يرتفع الصوت ..

احتارت خطاي إلى أي أرض أمضي وعلى أي عتبة أقف ؟ فشوارع المدينة تهتز من تحت قدماي وكأن الأرض توشك أن تتفتت ..!

وعلى عنق الشارع أضع خطوتي وألحق بها بعد أن هدأ الصوت قليلاً ، أصل لها وأمسك بيديها الصغيرتين ونمضي معاً بعدما ارتدينا لباس الصمت ..

اغرورقت عيناها من الدموع ..

-أترين هناك ؟

*أمل ما خطبك ؟ .. لما تبكين ؟ ألاَ تعلمين بأن البكاء يحزن أمكِ ؟

-ولكن .. أأنـ..ـظري هنالك ؟

-هناك بالقرب من تلك النخلة الجدباء .. أشلاء تمزقت ورميت كالفتات

*آآآآآه مالذي أراه ..؟ طفل ممزق الجسد .. هنا كفه وهناك قدماه وهذا رأسه ..

صرخت أنفاااااااسي ليتني ما كنتُ عربي!

تزلزل صمتي ماعادت قدماي قادرة على حملي ، ولأول مرة أرى كل شيء واضح كأشعة الشمس المحرقة .. !

-أرأيتِ ذلك الصبي ؟

* نعم رأيته

– كان زميلي في المدرسة كنا نلعب سويا ، نتشاجر على قطع الحلوى التي تحظرها المعلمة ، ونرسم على الجدران حمامة السلام وهي ترفرف بكل بياض ، آآآآه كم حلمنا بذلك الحلم الجميل

ولكن اليوم أين هو ..؟ وأصوات المدافع تقبع من فوق رؤوسنا ؟
سأكتب على هذه النخلة (( عذراً بغداد .. عذراً بغداد

ستعودين من جديد وسأنقل اخبارك لجريدة نورت واقراء التعليقات عن رأيهم

37 تعليق

ماذا تقول أنت؟

الرجاء, التأكد من الأطلاع على قواعد الكتابة في نورت قبل نشر تعليقك.