الصفحة الرئيسية زاوية القراء مشاركات منقولة وسائل الإعلام.. هل ستراعي حرمة رمضان؟

وسائل الإعلام.. هل ستراعي حرمة رمضان؟

بواسطة -
11 469

قبل عقود من الزّمان، تساءل الكاتب المصريّ المعروف مصطفى محمود (ت 2009م) رحمه الله: “لماذا يتحوّل رمضان إلى شهر ترفيهي بدلا من شهر روحاني؟”، ثمّ استطرد قائلا: “لست شيخا ولا داعية، ولكنّي أفهم الآن لماذا كانت والدتي تدير التلفاز ليواجه الحائط طوال شهر رمضان.. كنت طفلا صغيرا ناقما على أمي التي منعتني وإخوتي مشاهدةَ فوازير (برامج التّرفيه) بينما يتابعها كلّ أصدقائي، ولم يشف غليلي إجابة والدتي المقتضبة: “رمضان شهر عبادة مش فوازير”..

وأضاف مصطفى محمود قائلا: “مرّت السنوات وأخذتني دوامة الحياة وغطى ضجيج معارك الدراسة والعمل على همسة سؤالي الطفولي، حتى أراد الله أن تأتيني الإجابة على هذا السؤال من رجل مسن غير متعلم في الركن الآخر من الكرة الأرضية، كان ذلك الرجل هو عامل أمريكي في محطة بنزين اعتدت دخولها لشراء قهوة أثناء ملء السيارة بالوقود في طريق عملي، وفي اليوم الذي يسبق يوم الكريسماس دخلت لشراء القهوة كعادتي فإذا بي أجد ذلك الرجل منهمكا في وضع أقفال على ثلاجة الخمور، وعندما عاد لأخذ حساب قهوتي سألته وكنت حديث عهد بقوانين أمريكا: لماذا تضع أقفالا على هذه الثلاجة؟ فأجابني: هذه ثلاجة الخمور وقوانين الولاية تمنع بيع الخمور في ليلة ويوم الكريسماس يوم ميلاد المسيح.. نظرت إليه مندهشا وقلت: أليست أمريكا دولة علمانية؟ لماذا تتدخل الدولة في شيء مثل هذا؟ قال الرجل: الاحترام.. يجب على الجميع احترام ميلاد المسيح وعدم شرب الخمر في ذلك اليوم حتى وإن لم تكن متديّنا”.

هذا الموقف الذي رواه الكاتب المصريّ مصطفى محمود، مرّت عليه عقود من الزّمان، تطوّرت خلالها الأمور في بلاد الغرب، وانعكس هذا التطوّر على بلاد المسلمين، حيث تخلّت كثير من وسائل الإعلام عن مبدأ احترام خصوصية شهر رمضان تدريجيا، وأصبح لدى كثير منها لا يعدو كونه فرصة مناسبة لزيادة عدد المتابعين لبرامجها، وهو ما حداها للتّنافس في رصد شبكات برامجية ضخمة تتنوّع بين برامج الضّحك والإثارة والبرامج التاريخية والاجتماعية، وتستهدف المشاهدين في الفترة الممتدّة بين الإفطار والسّحور، وهي الفترة التي يقضيها كثير من أفراد المجتمعات العربيّة والإسلاميّة أمام القنوات أو أمام الأنترنت، ويرون أنّهم ينبغي أن يرفّهوا فيها عن أنفسهم بعد يوم شاقّ من الصيام والتّعب والإرهاق.

مفهوم ومقبول أن يبتغي المسلم وقتا للرّاحة والتّرفيه عن النّفس في ليالي رمضان، لكنّ هذا الوقت لا ينبغي أبدا أن يكون على حساب الرّوحانيات التي يُفترض في حقّ العبد المؤمن الذي يعرف لرمضان قدره أن يبحث عنها في ليالي الشّهر الفضيل راجيا عفو ربّه وعتق رقبته ولين قلبه وصفاء روحه.. لا يليق أبدا لعبد مسلم يعلم أنّ رمضان يمكن أن يكون بالنّسبة إليه فرصة لا تتكرّر ولا تعوّض، لأنّه ربّما لا يعيش رمضان آخر بعد رمضان الذي تنسحب أيامه ولياليه من بين يديه سريعا.. لا يليق بمن يعلم هذا أن تلهيه برامج القنوات لساعات طويلة عن الهدف الأسمى الذي يعود لأجله رمضان كلّ عام.. لا يليق أبدا أن يعكف العبد المؤمن في وقت الإفطار الذي يجاب فيه الدّعاء ويحقّق الرّجاء وترفع فيه أعمال اليوم إلى المولى سبحانه، على برامج الضّحك والإثارة، ويعطيها أثمن الأوقات، ويتمادى معها بما يجعله يتأخّر عن صلاة التّراويح، ويصلّي في الصّفوف الأخيرة، حيث لا يجد للصّلاة طعما، وربّما يتمادى في الانتقال من قناة إلى قناة حتى تفوته التّراويح، ويفوته قيام ليالي رمضان، ويحرم نفسه فرصة من أعظم فرص مغفرة الذّنوب، وعتق الرّقاب.

نتمنّى ونأمل للقائمين على الإعلام في دول المسلمين أن يراعوا حرمة الشّهر، ويأخذوا في الحسبان شرف تلك السّاعات العظيمة التي تعقب الإفطار وتسبق الأسحار، فيبثّوا لعباد الله المسلمين ما يعينهم على حسن استغلالها، ولا بأس بعد ذلك أن يبثّوا في السّاعات الأخرى ما يُجمّ الأفئدة ويسلّي الأرواح بما أباح الله، بعيدا عن الإثارة وبعيدا عن التّهريج الذي يبلغ حدّ الابتذال وحدّ الاستهتار بشعائر الدّين وقيم المجتمع.
سلطان بركاني

11 تعليق

ماذا تقول أنت؟

الرجاء, التأكد من الأطلاع على قواعد الكتابة في نورت قبل نشر تعليقك.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.