(CNN) — رغم أن الانقسام المذهبي بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط يعود إلى القرون الأولى التي أعقبت وفاة النبي محمد، غير أن صراعاتهما لم ترتد الطابع الاستراتيجي والدموي إلا في فترات تاريخية محددة، ربما كانت السنوات التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق، صدام حسين، من بين أشدها عنفا وتأثيرا.
فقد تراجعت حدة الصراع المذهبي بين المسلمين خلال فترة ما عرف بـ”عصر النهضة” وصولا إلى العقود الأخيرة من القرن العشرين، مع بروز شعارات كبرى حول “المواجهة مع إسرائيل” و”مشروع الأمة” غير أن الصدام بين الكتلتين الكبيرتين للمسلمين في الشرق الأوسط سرعان ما عاد إلى الواجهة مطلع الثمانينيات.
فمع وصول الثورة الإيرانية إلى الحكم عام 1979، ومشروعها لتصدير الثورة إلى دول الجوار، وبدء التحفز السني بالمقابل على أكثر من جبهة، اشتعلت المواجهات بين إيران والعراق، وسعى صدام حسين آنذاك إلى إضفاء صبغة قومية على الحرب التي خاضها مع طهران، خاصة في ظل الثقل العددي للشيعة في بلاده، إلا أن البعد المذهبي للمعركة سرعان ما برز على سطح المواجهات التي استمرت لأعوام تحت شعار “حماية البوابة الشرقية” للعرب.
غير أن السنوات التي تلت تلك الحرب، وتوسع الدور الإيراني في الشرق الأوسط، وبروز تحالف واسع يضم إيران وسوريا وحزب الله اللبناني، جعل الأرضية مهيئة لانقسام واسع توجته المواجهات المذهبية الطابع التي أعقبت سقوط بغداد عام 2003، وقبله إزاحة حركة طالبان السنيّة المتشددة عن السلطة في كابول.

Iraq.Sunni-protestors.jpg_-1_-1
ومثل زوال حكم صدام حسين ووصول تيارات شيعية ذات طابع ديني إلى السلطة في العراق لحظة ذروة في هذا الصراع، فوجود القوات الأمريكية في العراق لم يمنع المسؤولين الإيرانيين من إطلاق التصريحات التي تعكس قوة نفوذهم في المنطقة، الذي كان محللون يقولون إنه بات يمتد من حدود أفغانستان إلى البحر المتوسط.
وبات الشحن المذهبي واقعا حاضرا وبقوة في المنطقة، حتى أن شخصية بارزة ضمن ما يعرف بدول “معسكر الاعتدال،” هو العاهل الأردني عبدالله الثاني، حذر عام 2004 من خطر قيام ما وصفه بـ”هلال شيعي” يمتد من إيران إلى لبنان.
وفي لحظة كان العنف فيها قد تحول في العراق إلى حالة يومية، وبرز فيها دور تنظيم القاعدة والحركات المتشددة في مواجهة تنظيمات شيعية أخرى على الساحة، مع شعور السنة في العراق بالإحباط والتهميش السياسي، إلى جانب تداعيات معركة “الفلوجة”، جاءت عملية “تفجير سامراء” في فبراير/شباط 2006 التي استهدفت أضرحة شيعية في المدينة ذات الأكثرية السنية شمال العراق لتطلق موجة من الرعب المذهبي.
فخلال الأيام الأولى التي أعقبت التفجير سقط مئات القتلى واستهدفت عشرات المساجد في عمليات انتقام متبادلة، ودخلت الحرب المذهبية في العراق طورها الأكثر دموية، ما اضطر الولايات المتحدة إلى إرسال تعزيزات عسكرية كبيرة لوقف تداعيات الأحداث التي ستستمر مع ذلك لسنوات.
ورغم عودة الهدوء النسبي إلى العراق وتجربة “الصحوات” التي شارك من خلالها مقاتلون سنّة في المعارك الرامية إلى التصدي لتنظيم “القاعدة” إلا أن منسوب التوتر المذهبي استمر بالتصاعد مع شعور القوى السنيّة التي وافقت على المشاركة في العملية السياسية بالعجز عن المشاركة الفاعلة رغم نتائج الانتخابات، لتبرز الدعوة إلى “ربيع عراقي” مع احتجاجات متواصلة منذ أشهر في المدن السنية.
وتركت حرب العراق آثارها الواضحة على الإقليم، مع تصاعد مطالب القوى المعارضة التي يغلب عليها الطابع الشيعي في البحرين، ودعوة أطراف فيها إلى “جمهورية إسلامية” وسط اتهامات لطهران بالتدخل في شؤون المنامة وكذلك الكويت المجاورة التي تقطن فيها أيضا أقلية شيعية وازنة، وفي المناطق الشرقية من السعودية.
أما في لبنان، فقد ترافقت السنوات الأكثر دموية في العراق مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري، الشخصية الأقوى لدى الطائفة السنية، وما تبع ذلك من اتهام أنصاره لسوريا – الحليفة لإيران – وكذلك لقوى شيعية بالتورط في العملية، ما زاد من حدة الانقسام بين أتباع المذهبي في البلاد، وصولا إلى صدامات مسلحة ظلت محدودة الرقعة.
على أن الشكل الأكثر دموية للصراع انتقل إلى سوريا بعد أشهر من بدء الثورة فيها ضد نظام الرئيس بشار الأسد، فقد حذر النظام منذ البداية من “حرب طائفية” لتعود المعارضة لاتهامه بتأجيج نيرانها مع نهاية عام 2011، وبدء الحديث عن عمليات “تهجير طائفي” في مناطق وسط وغربي البلاد.
ومع الانقسام في المواقف الدولية حيال الوضع في سوريا، وجد العراق نفسه – بطريقة أو بأخرى – إلى جانب الأسد، رغم اتهام بغداد له بالوقوف وراء الكثير من الهجمات الدامية التي استهدفتها، فقد حذر رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، من خطر “حروب طائفية” بحال سقوط النظام السوري، مدفوعا – وفق ما يؤكده خصومه – بعلاقات التحالف التي تربط بغداد بطهران ودمشق، إلى جانب حزب الله المتهم بدوره بالتدخل عسكريا في سوريا.
إذا، فقد فتح التغيير السياسي في العراق الباب أمام صراع كبير على النفوذ في الشرق الأوسط، سرعان ما ظهر برداء مذهبي على مستوى المنطقة ككل، في مواجهة ستكون محددة لشكل المنطقة لسنوات عديدة مقبلة.

شارك الخبر:

شارك برأيك

تعليقان

  1. المشكلة تتلخص ببروز التيار السلفي الوهابي التكفيري وليس المشكلة مع اهلنا السنة
    فلايوجد بيت عراقي غير مختلط فقد تجد الزوج او الزوجة من مذاهب مختلفة على الاكثر , وكنا نحن معاشر الشيعة ملوك التطنيش لانرد عما يثار من عامة الناس حول مذهبنا ونقول ان هذا محل حلها الندوات الثقافية والحوزات العلمية والدينية وليس الصحف الصفراء او الشوراع اوالجدل مع البطالين , فكنا نقابل ما يقال بالتبسم وقول سلاما لمن يثير ذاك معنا او ممازحته , ثم عزيمته على اقرب مطعم كباب او باجا ! لانه حوار سقيم لايرجع الي فات ولايغير ما حصل في التاريخ
    لكن عندما وجدنا التيار التكفيري يكفرنا ويبيح دمائنا واصبح قتلنا على الهوية واطفال بعضنا قتلوا لان اسمائهم على اسماء ائمتنا عليهم السلام … لم يبقى لنا خيار فقد استطعمونا الحرب وكنا رجالها على صعيد الفكر فسقطنا التكفيرين وحتى المتطرفين منا في الباحات والاعلام واثبتنا هزال فكرهم وفساد عقيدتهم وهاهم يفرون امامنا في الساحات وسنبقى ورائهم حتى نأتي بأجالهم ماداموا يعتدون او يتوبوا يعودوا لنا اخوان مسالمين , فكنا وسنبقى لهم ابدا مثل ماكنا لكن هم ماعادوا كما كانوا , ومن كل قلوبنا نقول الله يهديهم ويحقن دمائنا ودمائهم ويهديهم من ضلالهم ليعرف الحق من جهله ويرعوي عن الباطل من لج به >>>> واكبر خدمة نقدمها للاسلام بجميع مذاهبه بل الانسانية اجمع هو تصدينا لشرار الخلق الذين منهم تخرج الفتنة واليهم تأوي الخطيئة وان صلوا وصاموا في مساجد عمار من البناء خراب من الهدى .

ماذا تقول أنت؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *