لا غيرةً علي الشاعر الجلل “سعدي يوسف” ..

فــ “سعدي يوسف” شاء ملحُ الساحة الشعرية من الأنصاف أم أبوا ، ربيبٌ لخرافة ترتفع بغابة من الأشجار البعيدة عن المطلق المحلِّي الذي أوشك أن ينسحب بفضل الأنصاف مجدداً إلي  “مضارب كندة” وما بعد العشية من عرار ، حتي لا نكاد نتعرف فيه إلا علي حساسية الشاعر وحدها !!

كما أنَّ شعره كفيلٌ وحده بالردِّ علي لائميه ، فهو مسلَّحٌ بامتدادات منوطة ، وهو غير عاقد العزم ، بأن تعصف بالمقدمات مباشرة ، وتكشف مباشرة عن عورات خصومه !!

ومن المؤكد أنَّ “سعدي يوسف” ليس لديه أثرٌ للردّ ..

ومن المؤكد أيضاً ، أن انخراط “اتحاد كتاب مصر” في الهجوم العصبيِّ علي أطراف الشاعر الكبير ، تعقيباً علي قصيدة له ، انتهك بها بعض المسكوت عنه حول “عائشة” ، هو تعقيب ضروريٌّ علي ارتباك تسريحة مصر القومية من الجذور ، ومبرر كاف للاعتراف باختلال الطريق ، وانتشار أقواس الخسائر في لهجاتنا ، ودوائرنا غير المكتملة كبشر قبل كلِّ شئ !!

تكريماً لمن ، ثار “اتجاد كتاب مصر” ؟!

سوف ينزوي السؤال في شكوك هزيلة بمجرد العلم أن الثورة علي “سعدي يوسف” ، سبقتها بحزمة من الساعات ثورة أخري من الإشادة بتسلل اسم  “عبد الله بن عبد العزيز” ، ملك السعوديِّة الذي لا يجيد القراءة ، في غفلة من “ماعت” ، ربة العدالة عند المصريين القدماء ، إلي لافتة أحد شوارع “مدينة الأقصر” ، أول مدينة في الكون تخثرت فيها البهيمية ، وَولِدَ الضمير !!

وهنا ، تجلد ذاكرتي أبياتٌ للمهلهل بن ربيعة ، قالها حين أرغم علي تزويج ابنته بمن هو أقل شأناً من الخدمة في بلاطها المنسحب ، وهي أبيات تزدحم بالمفردات الحوشية ، تقول :

أنكَحَها فقدُها الأراقمَ في جنْبٍ ، وكانَ الحباءُ من أَدَم ِ/
لو بأبانين جاءَ يطلُبُها / ضُرِّجَ ما أنفُ طالبٍ بدم ِ/
ليسوا بإخواننا الكرام ِ ولا / يغنونَ من عيلةٍ ومن عَدَمِ ..

من المؤلم أن تحدث سقطة “اتحاد الكتاب” من جرَّاء أول اختبار لصحة مصر الثقافية التي يبشرون بها القطيع ، ويكون الشاعر الكبير “سعدي يوسف ” في المنتصف ، ومن الأشدّ إيلاماً أن يتَّحد دور المثقفين بدور قضاة محاكم التفتيش في القرون الوسطي بشكل منذر بردة فاحشة ..

لماذا ، كما كان يحدث في عام الإخوان المسلمين ، لا تدقُّ أجراس الغيرة علي هوية مصر التاريخية ، التي ربحتها بفضل فسيفسائها الوطنية المتنوعة ، وقوس قزح ثقافاتها ؟ ، سؤال هزيل ..

إنَّ طريقاً يليق بشاعر لابدَّ أن يكون عكس طرق الأنبياء ، هذا هو الشرخ الذي فطن إليه الشعراء الممتازون في كلِّ زمان ، فكما أنَّ وظيفة الأنبياء هي تفتيت الواقع إلي رموز وإشارات ، فإنَّ تفتيت الرموز والإشارات إلي واقع هي وظيفة الشاعر ، وهذا لا أكثر ، ما فعله “سعدي يوسف” ..

لقد أراد الشاعر الكبير أن يحطم عن عمد ..

ولقد اتخذت القصيدة هذا الشكل ، لأنه ببساطة أراد أن يعبِّر بهذه الطريقة عما أراد أن يقول ، وكما أنَّ المتلقي ليس مرغماً علي الإيمان بكلِّ ما يقول ، هو أيضاً ليس “عاقلاً” بما يكفي ليؤمن بكلِّ ما وصل إلي المتلقي عن رمل لا تلتقي أبداً كثبانه ، وحواف الخلق الشهيرة !!

بالإضافة إلي هذا ، فإنَّ لكلِ ظنون الشاعر نبعٌ قديم فهو ليس برائد ، وبعضها وصل إلينا عن طريق “عائشة” نفسها ، وهو يتميز عن غيره من هذه الناحية بفراغ نيته من أيِّ دافع نفسيٍّ فشل في السيطرة عليه ، إنما قراءته للمشهد في ضوء عقله فقط ، وهو لم يقل هجراً ، كما قال “المجلسيُّ” مثلاً في بحار الأنوار :

(كانت عائشة تشوِّفُ جارية وتطوفُ بها ، وتقول : لعلَّنا نصطاد بها شباباً من قريش ) !!

وهذه روايةٌ كذبها واضحٌ أكثر مما ينبغي ، وأعتقد أن نقمة “المجلسيِّ” الخشنة علي “عائشة” ، قد أربكت كاتبَ وحيه ، وجعلته ينسي أن الذكورة ليست حكراً علي شباب قريش البعيدين عن “المدينة” !!

كما أن الشاعر الكبير ، وكما يليق بشاعر كبير ، تجاوز بقامته تماماً مرمي أحجار الرجم برغبته في تربية الضوء في اسمه أو استقطابه له ، وله شعرٌ أقرب للشعر من هذه القصيدة الحدث :

طِلْعَت الشُمّيسهْ
على شَعَرْ عيشهْ
عيشه بنت الباشا
تِلْعَبْ بالخرْخاشةْ !!

..

لَكأنّ عائشةَ الجميلةَ تستجيرُ ، تقولُ لي : سعدي !!
أوَلستَ مَن يهوى الجميلاتِ ؟ الحرائرَ … والصبايا ؟
كيفَ تخذلُني ، إذاً ؟

..

أنتَ العليمُ بأنني  ، بنتٌ لتاسعةٍ ، وأني كنتُ ألعبُ بالدُّمى
لكنهم جاؤوا وقالوا : ثَمَّ تطْريةٌ لوجهِكِ  !!
” كان وجهي وجهَ طفلتكم  ، وليس من معنىً لتطريةٍ ” ..
أجابوني :  النبيُّ أرادكِ !!

..

طِلْعَت الشمّيسةْ
على شعَر عَيشة
عيشة بنت الياشا
تلعب ْ بالخرخاشةْ

 ..

وعائشةُ ، الحـُـمَيراءُ ،
الجميلةُ مثل إيرلنديّةٍ ، والشَّعْرُ أحمرُ ، يا عطاَ الله !!
كان محمّدٌ  ، ما بين رُكعته ، وتالي رُكعةٍ ، ينوي يُباشرُها
وأحياناً يرى ما بين ساقَيها  ، صلاةً ..
هكذا ، ذاقتْ عُسَيلَتَهُ
وذاقَ محمدٌ ، دبِقاً ، عُسَيلَتَها ..
هيَ مَنْ هيَ : الـحَوّاءُ
عائشةُ الحـُمَيراءُ  ،
الجميلةُ مثل إيرلنديّةٍ ،
صنمُ النبي ّ !!

..

طِلْعَت الشمّيسة
على شَعَر عيشة
عيشة بنت الباشا
تلعبْ بالخرخاشة !!

..

لكنّ عائشةَ الجميلةَ ، سوفُ تُعْلن أن ناعمَ شَعرَِها سيظلُّ أحمرَ
سوف تُعْلِنُ أنها  ، أبداً ، محاربةٌ ،
لقد قهرتْ نبيّاً في السريرِ
وهاهي ذي ، على جملٍ ، تقاتلُ ..
إنّ عائشةَ الـحُـميراءَ
النبيّةُ
بعدَ أن ذهبَ الذكورُ الأنبياءُ إلى الهباء !!

..

طِلعت الشمّيسة
على شعَر عَيشةْ
عيشة بنت الباشا
تِلْعَبْ بالخرخاشة !!

 

 

 

 
 
 
 

شارك الخبر:

ماذا تقول أنت؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *