“حمَّاد الراوية” ، وهو أبو القاسم حماد بن أبي ليلى سابور ابن المبارك بن عبيد ، وهو أيضاً أعلم أهل زمانه بأيام العرب وأشعارهم وأنسابهم ولغاتهم ،،

أخيراً ، وفي مفاجأة غير سارة للذين يصدقون كل ما جاء في تراث العرب كحقائق مقدسة لا يجوز فضلاً عن التشكيك فيها مجرد الدوران حولها ، كان “حماد” هذا ، هو الذي جمع القصائد السبع المعروفة تراثيَّاً بـ “المعلقات” ، تلك القصائد التي يزعمون حتي الآن أن العرب كانوا يعلقونها علي جدران الكعبة !!

غير أن هذه السيرة الغنية لم تشفع للرجل عند التاريخ الذي لا تردعه عادةً مخاوف أو أطماع عن أن يضئ الناس من الأمام ومن الخلف ومن العمق ومن عمق الشرط الإنسانيِّ ،،

لقد بدأ “حماد الراوية” حياته لصاً ، حدث أن نقب ذات ليلة جداراً علي رجل وأخذ ماله ، وهنا حدثت وثبة من وثبات الصدفة المحضة كانت سبباً مباشراً لعثوره علي أبعاد شخصيته الكامنة ، إذ وجد في غنيمته بعضاً من شعر الأنصار، شعر “الأحوص بن محمد” تحديداً ، فاستطاب ذلك الشعر وحفظه ، ثم ترك اللصوصية وواظب علي طلب الشعر والأدب وأيام العرب ، وسار علي الدرب حتي وصل منعطف “حماد الراوية” الشهير!!

هذا حتي الآن هو كلُّ شئ ،،

لكن ، ما علاقة هذا بـ “د. مني مينا” ؟!

جاء في أغاني “أبي الفرج الأصفهانيِّ” ، أن “حماداً” سئل عن رأيه في شعر “الأخطل” فأجاب :

“ما تسألوني عن رجلٍ قد حبَّبَ شعرُه إلىَّ النصرانية !! “

“مني مينا” أيضاً ، وهي إحدي الأيقونات الأنثوية التي تلمع كالخنجر في ذاكرة ثورة “25 يناير” التي لفظت أنفاسها تماماً ، إصرارها علي حراسة جذور الإخلاص لمبادئها ، وسط جزيرة عائمة بالمتلونين ، تُحبِّبُ المرء في المسيحية ، وتؤكد أن موقف الكنيسة المصرية بكافة أطيافها ينسحب علي رعاة الكنيسة فقط لا علي المسيحية كعقيدة ،،

وموقف الكنيسة المصرية ، مع الأخذ في الاعتبار أنها أكبر حزب سياسي في مصر الآن ، هو موقف يولد عادة في عزلة الإيمان بعقيدة ، أي عقيدة ، إلي درجة الامتلاء ، بل الرغبة في إقصاء الآخر ، لذلك لا يمكن أن يقيم لمفهوم الديمقراطية وزناً !!

من أجل هذا ، تحت ضغط الرغبة البدينة في إقصاء الإخوان المسلمين ، أو بمعني أكثر دقة ، تحت ضغط الرغبة في تهدئة قلب مخاوفهم من حكم إسلاميِّ الطابع ، وضعت الكنيسة مذبحة “ماسبيرو” في جيب مهمل من جيوب ذاكرتها ، ووضعت أيضاً ، ومبكراً ، قدميها بكل بساطة في الماء الجديد الذي جري في النهر ، وهو خطأ باهظ ، وله ما بعده !!
 
“د. مني مينا” سيدة أفق وعمق ، ما في ذلك شك ، لكن السؤال غير المتطلب ، هل صوتٌ كصوت السيدة “مني مينا” صالح للشدو في هذه المرحلة ؟!

الإجابة بالتأكيد الزائد عن الحد هي لا ، فنحن أمام مرحلة خاصة لأصوات خاصة ، مرحلة لا يصلح لها إلا أصوات القادمات مؤخراً ، أو المُستقدمات علي وجه الدقة مؤخراً إلي السياسة من باب الدعارة وعُلب الليل و”وش البركة” ، للتشويش علي أي صوت يغرد خارج السرب الفاشل ، سرب “يبقي الحال كما ما هو عليه ، وعلي المتضرر اللجوء للمنافي أو الانسحاب من الحياة تماماً ” ..
 
ولا يخفي علي أحد أن كلَّ الأنبياء بدأوا رحلتهم نحو إحراز لقب “النبيِّ” برجل أو رجلين أو حتي عشرين ، فما ظنك برجل تقف خلفه دولة من أقصاها إلي أقصاها بإعلامها وقضائها وجيشها وآبائها الذين في المباحث وهيكلها الوظيفيِّ ومؤسساتها الروحية وعاهراتها ، مع ذلك ، ولسبب غير مفهوم ، لم يدَّعي النبوة حتي هذه اللحظة ؟!

ويجب ألا يمنعنا الإعجاب بتواضعه شديد الفراشات ونكرانه الشديد للذات أن ننسي أن عدالة السماء هبطت ذات يوم علي استاد “باليرمو” و”مجدي عبد الغني” أحرز هدفاً في مرمي “هولندا” علي ما يبدو ..

وما علاقة “حمَّاد الراوية” بالمرحلة ؟!

الإجابة علي هذا السؤال تحتاج لتتضح نظرة صوفية ،،

لقد ترك “حماد” السرقة هذا صحيح ، صحيح أيضاً أنه واظب حتي النهاية علي حراسة إخلاصه للسرقة من خلال عمله الجديد ، وهي سرقة من نوع آخر ، وأشد خطراً ، يقول عنه “ابن سلام” :

“كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثهم “حماد الراوية” ، وكان غير موثوق به ، كان ينحل شعر الرجل غيره ويزيد في الأشعار” ،،

ويقول “المفضل الضبِّيُّ” عنه :

“قد سلط على الشعر من “حماد الراوية” ما أفسده ، فلا يصلح أبداً ،

فقيل له :

“وكيف ذاك ، أيخطئ في روايته أم يلحن ؟!

قال :

“ليته كان كذلك ، فإن أهل العلم يردون من أخطأ الصواب ، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارهم ، ومذاهب الشعر ومعانيهم ، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب الرجل ، ويدخله في شعره ، ويُحمل ذلك عنه في الآفاق ، فتختلط أشعار القدماء ، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد ، وأين ذلك ؟!

وقال “يونس” :

“العجب لمن يأخذ عن “حماد” ، كان يكذب ويلحن ويكسر” ،،
 
وشاية أخري أكثر رواجاً ،،
 
اجتمع بدار الخليفة “المهدي” بـ”عيساباذ”عالمٌ من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها ، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا بـ “المفضل الضبِّيِّ ” الراوية فدخل ، فمكث ملياً ثم خرج ذلك الرجل بعينه فدعا بـ “حماد الراوية” ، فمكث ملياً ثم خرج إلينا ومعه “حماد” و “المفضل” جميعاً ، وقد بان في وجه “حمَّاد” الانكسار والغم ، وفي وجه “المفضل” السرور والنشاط ،،

ثم خرج “الحسين” الخادم معهما فقال :

“يا معشر من حضر من أهل العلم ، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل “حماداً” الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره ، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس فيها ، ووصل “المفضل” بخمسين ألف درهم لصدقه وصحة روايته ، فمن أراد أن يسمع شعراً محدثاً جيداً فليسمع من “حماد” ، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن “المفضل” ،،

فسألوه عن السبب فأخبرهم أن “المهدي” قال لـ “المفضل”لما دعا به وحده :

“إني رأيت “زهير بن أبي سلمى” افتتح قصيدته بأن قال :
 
“دع ذا وعدّ القولَ في هرم ” ..

ولم يتقدم له قبل ذلك قول ، فما الذي أمر نفسه بتركه ؟

فقال له “المفضل” :

“ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئاً إلا أني توهمته كان يفكر في قول يقوله أو يروي في أن يقول شعراً ،
فعدل عنه إلى مدح “هرم بن سنان” وقال : دع ذا ، أو كان مفكراً في شيء من شأنه فتركه وقال : دع ذا ،
أي دع ما أنت فيه من الفكر وعد القول في هرم” ..

ثم دعا بـ “حماد” فسأله عن مثل ما سأل عنه “المفضل” فقال :

“ليس هكذا قال “زهير” يا أمير المؤمنين”

قال : فكيف قال ؟!

فأنشده – وهي أبيات تزدحم بالمفردات الحوشية يصعب فهمها لكن لتكتمل الصورة ،لابد من ذكرها – :
    
لمن ِ الديارُ بقنة الحجر  / أقوين من حجج ومن عشر/

قفرٌ بمندفع النجائب من  / ضفوى أولات الضال والسدر/

دع ذا وعد القول في هرم / خير الكهول وسيد الحضر ،،

فأطرق “المهدي” ساعة ثم أقبل على “حماد” فقال :

“قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لابد من استحلافك عليه” ،،

ثم أحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة ليصدقنه عن كل ما يسأله عنه ، فلما توثق منه قال له :
 
“اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى “زهير” ؟! ،،

فأقر له حينئذ أنه قالها ، فأمر فيه وفي “المفضل” بما أمر من شهر أمرهما وكشفه ..

إن الطباع كالطاقة لا تفني ولا تستحدث من عدم ، ولا يمكن لأعماق الإنسان تحت أيِّ ظروف أن تحتجز مشاعره الحقيقية لأعوام طويلة ، لتطفو علي السطح فجأة ، متي حدث هذا فكن علي يقين أن خلفه شئياً في الظل !! 

ما أكثر ألوان السرقة ، وما أكثر الثعالب ،،

وأكثر اللصوص استحقاقاً للتقدير هو اللص الصريح ، فهو برغم كل شئ إنسان متصل الظاهر بالباطن ، وهو أنقي علي كلِّ حال من لص في ثياب الواعظ ، فالسرقة كونها مهنة المتطفلين عن عمد علي أشياء الآخر ، هذا جعلها سهلة التماهي من الداخل مع المكان بشتي صوره ، أقصد ، قد يكون الطبيب لصاً في مهنته ، وقد يكون المهندس ، والمحامي ، والمعلم ، وكل ذي مهنة ،،

لكن ، لا خلاف علي أن سارقي الحريات ، وسارقي الأحلام ، وطفولة الأطفال عن عمد ، هم أكثر اللصوص خسة ونذالة ..

هل هذه النهاية البائسة حتي كتابة هذه الكلمة هي النهاية البائسة ؟!

من سولت له نفسه مجرد الاعتقاد بأنها النهاية ، فهو كما يقول الشاعر ، جسمُ البغال وأحلامُ العصافير ، فلقد اتَّسع الخرق علي الراتق ، وصناع “ثورة يناير” ما زالوا علي قيد الحياة ، وما زالوا يحتفظون بلياقتهم أيضاً ، وملهم “ثورة يناير” ما زال في المنفي كما كان في مثل هذه الظروف ،،

بالإضافة إلي أن الإخوان الآن ، وهذا هو الأهم ، ليسوا الإخوان قبل يناير “2011” ، فهم الآن لا يرون في النظام مجرد نظام قمعيّ كما كان الحال منذ “عبد الناصر” وحتي سقوط “مبارك” ، بل صاروا يؤمنون إيماناً طليقاً بانعدام شرعيته ، ليس هذا فقط ، بل ثمة ثأرٌ بينهم وبينه لابدَّ من حسمه ، ودماءٌ مراقةٌ لابدَّ ألا تُطلّ ، وأرواح صداها يصوِّت في مقابر مبكرة لابد أن تهدأ ، وهنا مكمن الخطر ، وهو خطرٌ من الصعب أن يدركه إلا من عاش في صعيد مصر ولمس هذه الظاهرة عن قرب ،،

فالموتورين لا يزنون المجازفات ، ولا يتفقدون أبداً مخاوفهم قبل الإقدام علي أي شئ ، أيِّ شئ ، إذ تصبح الحياة بالنسبة للموتورين مجرد سوق لا يباع فيه سوي الدم ثم علي الدنيا العفاء ، وهذا تماماً ما أوجزه في بيت واحد “الأخطل” ، الشاعر النصرانيُّ الذي حبب شعره النصرانية لـ ” حماد الراوية ” ، حيث يقول :
 
شمسُ العداوةِ حتى يُستفادَ لهم / وأعظمُ الناس أحلاماً إذا قدروا ..

الآن وقد مضي نصف العام وبعض النصف الآخر علي عزل “د. مرسي” ، يحقُّ لنا ، كأننا من أهل هذا البلد ، أن نتسائل ، هل سار قرار عزله بمصر نحو الأفضل أم السئ ؟!

من الجدير بالذكر أنني نحَّيتُ عن عمد جهات اللغة ولم أقل نحو الأفضل أم الأسوأ لأن الأسوأ لم يواكب مصر بعد ،،

مع هذا ، لقد كان عزل “د. مرسي” ضرورياً لأن الإخوان المسلمين وضعوا العربة أمام الحصان ، ولم يرضوا ، لسبب مجهول ، لا أظنه الرغبة في الإقصاء وحدها ، بأي مقاربة يمكن أن تحقق الحد الأدني من رضا شركاء الثورة ، غير أن الخطأ ، بل الخطيئة ، هو ما حدث في “رابعة” ، هنا عند كل شئ ، ورائحة الدم الذي سوف تثور له لأعوام قادمة أحزان تتهيأ ،،

أتمني أن أكون علي خطأ ، بل خطيئة ..

 

شارك الخبر:

ماذا تقول أنت؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *